وكان معي أحمد (18) نسيم الوصل هب على الندامى
يا مَن غرّه طول الأجل، وأوهمته الدنيا أنها دار البقاء، فأرخى لوادعتها قيوده، وآمن أن الغد قادم ليصلح فيه ما أفسده تسويفه؛ فأجّل كلمات التقدير والإخاء إلى يومٍ قادم وفرصةٍ أفضل، وترك الوصل وصدق التعبير، ونام قرير العين كأن أهله باقون، وأصدقاءه دائمون، والدنيا دار أمان... أغرّك منها أنها أظهرت لك حُسنها وأخفت عنك سرعة تقلبها؟ أتحسب أن الموت يستأذنك و يعبأ بتأجيلك؟ أم تظن أن المنايا تنتظر حتى تفرغ من شواغلك وتتكرم بالوصل؟ إن كل تسويف أخفيته عن وجه من تحب هي مراهنة خاسرة على غيبٍ لا تملكه! يا له من سعيدٍ مَن اتّعظ بغيره، وما أشدَّ تعاسةَ مَن اتّعظ بنفسه! ها هم الثاكلون يبكون مَن فقدوا، ويتوجّعون لفراق مَن أحبّوا: فُجعوا بغياب من أحبّوا ذات فجأة، ورحيلِ من أخّروا اعتذارهم له، ووفاةِ من قصّروا في حقه؛ ومُنى عينهم لو أُتيح لهم أن يبذلوا كل ما ملكوا مقابل ساعةٍ يقولون فيها ما أجّلوه، وفرصةٍ يقومون فيها بما أخّروه... فحال بينهم وبين أحبّتهم من تصاريف الدهر ما تعجز عنه حِيَلُ الأرض وقدرةُ البشر. إنّ الموتَ أعظمُ مخوف، وأرهبُ حقيقة، وآكدُ واقع، وهو مصيرنا الذي لا محيد عنه؛ وما نحن إلا جنائزُ...