المشاركات

وكان معي أحمد (18) نسيم الوصل هب على الندامى

يا مَن غرّه طول الأجل، وأوهمته الدنيا أنها دار البقاء، فأرخى لوادعتها قيوده، وآمن أن الغد قادم ليصلح فيه ما أفسده تسويفه؛ فأجّل كلمات التقدير والإخاء إلى يومٍ قادم وفرصةٍ أفضل، وترك الوصل وصدق التعبير، ونام قرير العين كأن أهله باقون، وأصدقاءه دائمون، والدنيا دار أمان... أغرّك منها أنها أظهرت لك حُسنها وأخفت عنك سرعة تقلبها؟ أتحسب أن الموت يستأذنك و يعبأ بتأجيلك؟ أم تظن أن المنايا تنتظر حتى تفرغ من شواغلك وتتكرم بالوصل؟ إن كل تسويف أخفيته عن  وجه من تحب هي مراهنة خاسرة على غيبٍ لا تملكه! يا له من سعيدٍ مَن اتّعظ بغيره، وما أشدَّ تعاسةَ مَن اتّعظ بنفسه! ها هم الثاكلون يبكون مَن فقدوا، ويتوجّعون لفراق مَن أحبّوا: فُجعوا بغياب من أحبّوا ذات فجأة، ورحيلِ من أخّروا اعتذارهم له، ووفاةِ من قصّروا في حقه؛ ومُنى عينهم لو أُتيح لهم أن يبذلوا كل ما ملكوا مقابل ساعةٍ يقولون فيها ما أجّلوه، وفرصةٍ يقومون فيها بما أخّروه... فحال بينهم وبين أحبّتهم من تصاريف الدهر ما تعجز عنه حِيَلُ الأرض وقدرةُ البشر. إنّ الموتَ أعظمُ مخوف، وأرهبُ حقيقة، وآكدُ واقع، وهو مصيرنا الذي لا محيد عنه؛ وما نحن إلا جنائزُ...

وكان معي أحمد (20) هوية وانتماء

المشهد 1 خارجي/داخلي - المطار - نهار صوت : صوت محركات طائرة ضخمة، يهدر بكتلة صوتية تصم الأذان. مشهد بصري: تُقلع طائرة ركاب عملاقة، تصعد بزاوية حادة نحو السماء. تصغر حجمًا شيئاً فشيئاً وسط الغيوم حتى تتوارى تماماً عن الأنظار، ويخفت صوت محركاتها تدريجياً. تتهادى الكاميرا لتهبط ببطء نحو مبنى المطار الخارجي، ثم تقطع بسلاسة إلى الداخل، لتنغمس وسط صخب المكان. تتابُع لقطات سريع (مونتاج) - لقطات مقربة: لقطة على الأرض: أقدام متعددة تتحرك بسرعة وارتباك في كل الاتجاهات، تتداخل خطواتها على بلاط المطار اللامع. لقطة على الوجوه: أسطر من العيون القلقة تنظر للأعلى، تتنقل بتوتر بين شاشات عرض رحلات المغادرة والوصول. لقطة على التفاصيل: شفاه مزمومة، أصابع تضغط على حقائب السفر، وملامح مشدودة بالانتظار، طفل صغير ينهمر بالدموع على كتف أمه، علامات الإرهاق والتعب الشديد واضحة على وجهه. (يتداخل صوت أثيري خافت عبر اللقطات حسب كل لقطة) تظليم تدريجي إلى السواد (تظلم الشاشة تماماً لعدة ثوانٍ... يختفي كل الصخب فجأة) داخلي - صالة المطار الرئيسية - مستمر تفتح الشاشة من جديد، الصمت التام يخيم على المكان بشكل مفاجئ ودرا...

تحقيق صحفي (26): الخبر الذي وصل من العالم الأخر

  فتحت الجريدة تحقيقاً استقصيائيا للاجابة على سؤال : هل يفتح النوم حالة روحانية تكشف حجب الملكوت الى عالم الارواح للحصول على ايصال استلام؟ وذلك للتحقق من مؤشرات حدوث اتصال غير مادي تخطى العوالم المادية، وذلك في أعقاب بلاغ تلقته من مصادر أسرية متأثرة بحالة فقد يعود تاريخها إلى العام الماضي. وينصب التركيز الإجرائي للتحقيق على فحص القيمة الثبوتية لإفادة شفهية أدلى بها مصدر طفل، تلتها إجراءات تأويلية من قِبل طرف ثالث، لتقييم مدى كفاءة قنوات الاتصال بين عالم اليقظة وعالم الراحلين، حيث تهدف الجريدة الى الخروج بكشف الحقيقة لاراحة القلوب التي تواجه مأزق وفاة المقربين. وبدأ التحقيق باستقبال معطيات التحري الجاري في مسار الرصد، وذلك بعد تسجيل أثر مادي ملموس تمثل في وصول رسالة نصية إلى جهاز الهاتف المحمول الخاص بالمصدر رقم (1). وباطلاع الفريق الصحفي على محتوى الرسالة، تبين أن المضمون ينطوي قصة عجيبة، وتنطلق من معطيات شديدة الخصوصية وعميقة التأثير في بنيتها النفسية؛ مما دفع الخبير الصحفي إلى اتخاذ قرار فوري بالتقصي والتحرك بوجه السرعة والدقة لمنع اندثار معالم الأدلة. وبالانتقال إلى مرحلة جمع ال...

ورقة بحثية مصنفة: بروتوكول الكوانتم المتقدم لقياس الكتلة النوعية للحزن في جذر تربيع الغربة (32)

الملخص (Abstract) يتواجد في داخل القلب الحزين فراغات بنيوية في البطين الأيمن تؤدي إلى تكثف ذرات الأسى، وتحديداً عبر استدعاء مفارقة "الوجود الغائب"؛ حيث يُعامل الفقيد "أحمد" كجسيم فائق يحمل حالتين متناقضتين في آنٍ واحد داخل حجرة الغربة المغلقة: (موجودٌ في الذاكرة بكامل تفاصيله، وغائبٌ في الجسد بكامل ثقله). تحكم هذا التراكب الوجودي دالة الحالة التالية: معادلة شرودنغر لأحمد: [دالة الحالة الروحية = (أحمد: موجود في الذاكرة) + (أحمد: غائب في الجسد)] ويمكن استخدام قانون الجاذبية البشرية العاطفية المبني على الحنين لقياس انحناء المكان، وتحديد الإحداثيات الدقيقة لموقع الثقب الأسود المتشكل في قلب الأخت التي فقدت أخاها وفق حسابات أفق الحدث: معادلة أفق حدث الفقد: [نصف قطر الثقب الأسود في القلب = (2 × ثابت الحنين العالمي × كتلة ذكريات أحمد) ÷ (مربع سرعة الشوق)] وبناءً على كل ما سبق، تم تصميم هذه الدراسة لاكتشاف بروتوكول تجريبي، مدعم بالأبيات الشعرية المكثفة والقهوة السوداء، لقياس الكتلة النوعية للحزن في الفراغ المربع الواقع في (جذر تربيع الغربة). أولاً: الفرضية الإشكالية (Hypothe...

معجم الثكالى و المحزونين (31)

  المعجم: ليس محاولة لحصر الكلمات، بل هو محاولة لترويض الوجع الشاسع وضبطه في قوالب الحروف؛ هو اعترافٌ علني بأننا نعيش في عالمين: عالمٌ يتحرك فيه الناس من حولنا بقواميسهم العادية، وعالمٌ موازٍ نسكنه نحن، نترجم فيه كل تفصيلة صغيرة بلغة الفقد، ونقتات فيه على أمل اللقاء، مدركين أن الحكاية لم تنتهِ بعد، وأن فصولها الأجمل كُتبت هناك.. حيث لا فراق، ولا أحزان. أبجدية المشاعر والجسد الألم: شعورنفسي يسري في الجسد، يبدأ بوخزة، يمر غصةً في الحلق، ويستقر ثقلاً في القلب كلما مرّ طيف ذكرى المتوفى. الحزن: ليس نوبة بكاء تنتهي، بل صفة شخصية جديدة تُضاف إليك، تعيش معك وتتعايش معها، تصبح ظلك الذي لا يغادرك. الأسى: أن تدرك عمق ما فقدت وحجم ما ذهب من حياتك بكامل وعيك في لحظة تجلي كاملة البكاء: سلوك يومي متكرر، تتحول فيه مشاعرك من عالم الإحساس غير المرئي إلى فيزياء الجسد الملموسة؛ حيث تتكثف قطرات الحزن لتصبح أنهاراً تجري على خدك وتغرق صدرك. الأمل: شعور خفي وعميق يظهر كضوء خافت في الفؤاد، يرفض الانطفاء، يقتات باليقين باللقاء، ويزداد بالدعاء، ويقوى بالثبات، ويستقر بالوقوف في الصلاة. الامتنان:  أ...

ما بقي بعد التصفية (29)

ومِن بعدِ رحيلِ أحمدَ.. تغيّرتْ عَدسةُ النظَر، وتبدّلتْ وجهةُ الفِكَر. صَغُرتْ في العَينِ الدُّنيا المتسِعة، واتسَعتْ في القلبِ البَصيرةُ الضيّقة؛ فصَارَ ما كانَ بالأمسِ يُقلقُ النفْسَ لا يستحقُ العَناء، وما كانَ يُرسمُ بجدٍّ وهَوى أهْوَنُ منْ أنْ يُستنزَفَ فيهِ الجُهْدُ والشقَاء. غَدتْ ألوانُ الحياةِ باهتةً في بَهجتِها، حادّةً في حقيقتِها. وانقشَعَ عَنِ النفسِ فَزَعُ المَجهول، وزَالَ عَنِ الصّدرِ خَوفُ الأُفول؛ فكُلُّ مَا هُوَ مُتوَقَّعٌ آت، وكُلُّ مَا هُوَ آتٍ مَقْدرٌ لا مَحالةَ واقِع. وهُنالِكَ استَيقظتْ عَدسةُ اليَقين، وتجلّتْ حَقيقةُ الدّين؛ فتَحَوَّلَ الإيمانُ بالقضَاءِ إلَى واقِعٍ يُعاشُ بالصَّبْر، وصَارَ التّسليمُ بالقدَرِ اختِباراً يُجتَازُ بدَمْعِ المَحْوِ لا بحِبْرِ السَّطْر؛ إذْ لَيسَتِ العقَائِدُ كَلماتٍ بَاردةً تُلقَى في المَنابِر، ولا حُروفاً جَامدةً تُودَعُ في الكتبِ والدَّفاتر. إنَّ الفَقْدَ مُنخُلٌ قَاصٍ: يُصفّي رُكَامَ السّنِين، ويُبقي مَا ثَبَتَ باليَقِين. بَينَ مِطْرَقتِهِ وسِنْدانِهِ تَتَشكَّلُ الصِّلات، وَتَحْتَ وَطْأَةِ ضَغْطِهِ تَمْتَحِنُ الصَّداقَات؛ فإِمَّا خ...

و بعد : نحن على قيد الحياة (28)

حلّ الصيف هنا في الأرض الغريبة. طلعت الشمس لا كما كانت خجلة ومترددة، بل قوية وساطعة، تمد أشعتها في كل مكان، تُلهب الأرض وتُنضج الثمار. تظهر الشمس هنا أخيراً كما عرفتُها طيلة عمري، متسلطة ومتفردة بالحكم، تقرر هي كيف يعيش هذا الكوكب، ونملك نحن الرجاء بهطول المطر أو ظهور الغيم. أحب الصيف هنا. كانت أوصالي قد جمدت في مغيب سالفة الذكر، أرهقتني كثرة الطبقات وثقل الملابس وسرعة حلول الظلام، لما كنتُ ألتمس دقائق من صباح مشرق وأرض جافة فأهرع لأشرب كوباً من الشاي الساخن علّي أُشعل في جوفي حرارة تُدفئ قلبي المتعب. الآن أجلس في الشرفة تحت أشعة الشمس الحارقة، أتخيل أن الجيران في غاية الذهول من تلك المرأة التي تخرج لتجلس تحت الشمس مباشرة، تحمل معها كوباً بنفسجياً معزولاً يحتوي على قهوة مثلجة، وفاكهة مبردة، وتتمدد تحت الشمس لساعات. أكمل عملي من هاتفي، وأكتب ملاحظات البحث، وأقرأ ملخصات الأوراق، وأصيغ الحجج، وأتقدم للمؤتمرات. لم تكن الأشهر الماضية كما تخيلتُ خالية وفارغة، ولم تسمح لي الحياة أن أتوقف عنها لأني حزينة. أشعر أحياناً بالذنب لأني أكملتُ حياتي وأحمد ليس معي. كيف استطاع قلبي الوقوف في قاعات المؤ...