المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2026

وكان معي أحمد (10) دروب السفر و حكايات الرحلات

كنا نرقب الأيام والسنوات بلهفة غامرة، نعد اللحظات التي سيتحول فيها أحمد من "راكب" معنا إلى "قائد" لرحلاتنا. كان الحلم بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في جوهره؛ كنا نبحث عن سبيل آخر لتحقيق مشاويرنا التي لم تكن تحدث إلا نادراً. علم أحمد بحجم ذلك الحماس الطفولي والخطط التي رسمناها لأخينا الأكبر، فكان يواجه سيل طلباتنا بضحكة مراوغة قائلاً: "لن أستخرج رخصة قيادة حتى أتخرج من الثانوية، فأنا أعلم يقيناً أنكن تنوين إتعابي بمشاويركن التي لا تنتهي!" . لكن قلبه -كالعادة- لم يطاوعه في المماطلة. ما إن حان وقت استخراج "التصريح"، حتى بادر بإنهاء إجراءاته. عاد إلينا قبيل الظهيرة، لا أزال أذكر وجهه الذي يشع فخراً و ابتسامته العميقة وهو يحمل تلك البطاقة الصغيرة ويرينا إياها. وبلا جدال، ولا حتى حاجة لدعوة، وفي مشهد احتفالي عفوي، هرعنا لارتداء عباءاتنا وتجهيز أغراضنا، وفي دقائق معدودة، كان المحرك يدور وأحمد خلف المقود، ينطلق بنا بسرعة نحو أولى نزهاتنا الكبرى.  كانت الوجهة "أطراف مكة"، صعوداً نحو سفح جبل الهدا ، حيث يتغير الهواء فجأة ليصبح لطيفاً ومنعشاً.  كانت ...

وكان معي أحمد (9) رسالة لن تصل: عزائك يا أحمد

بسم الله الرحمن الرحيم إلى أخي العزيز أحمد                                                              - تغمده الله برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته - سلامٌ عليك من أختٍ ثكلتْك فما عرفت للسلوى سبيلاً، وفقدتْك فما ذاقت للحياة طعماً. سلامٌ يحمل شوق القلب وحَيْرة العقل، ودمع العين وحسرة الفؤاد. أما بعد، فإني على ثقةٍ - والثقة باب من أبواب اليقين - بأنك عند الله الرحمن الرحيم، الذي وسعتْ رحمته كل شيء. وإني لَعلى يقينٍ - واليقين منزلة الراسخين - بأنك في برزخٍ أوسع من هذه الدنيا الضيقة التي ضاقت بنا حين غادرتها، وفي ضيافة ربٍّ كريم يُكرم النزلاء ويُؤنس الغرباء ويرحم الضعفاء. والحمد لله - في السراء والضراء - على أمره الذي لا يُرد، وقضائه الذي لا يُصد، وحكمه الذي لا يُعقّب عليه ولا يُحد. أما بعد، فإن خبرك قد وصلنا وجعلنا حيارى في أمرنا، مترددون بين تصديقنا و انكارنا ، نقف على شفير هاوية الفقد ولا ندري أنسقط فيها أم نبقى على الحد؟ نسمع الخبر...

وكان معي أحمد(7): لما اختلفت معه

كان أحمد إنساناً. وكنتُ لا أتفق معه في بعض قناعاته. لكنني أعود فأنظر اليوم إليها بعين التساؤل والاستيضاح: هل كان هو مصيباً في رأيه، ورأيي مجانبٌ للصواب؟ أظلُّ أتساءل وأسأل... ولا جواب. أبرز هذه القناعات كان ورعه الشديد وزهده البليغ في الدنيا. لم يكن يوافق على استلام أي قضية يترافع فيها إذا أحسَّ أن هناك احتمالاً بسيطاً أن يُجانب فيها الصواب موكله، أو أن يُستخدم لإيصال ظلم إلى أحد، حتى لو كان ذلك الظلم -قانونياً. كم ترك من مناصب عالية ووظائف مُجزية خوفاً من أن يُجبَر فيها على فعل ما لا يرتاح له ضميره. شديد القناعة فيما تيسّر له من عمل، لا يطمع في مزيد، ولا يسعى وراء كل فرصة تُعرَض عليه. كنت أشعر أن هذا الأمر كان يُؤخّره عن أن يعيش حياة يستحقها، أن يُمارس علمه وخبرته ويُفيد بهما أهله ومجتمعه. كان ذكياً، موهوباً، قادراً على أن يكون شريكاً في مكتب مرموق، أن يترافع في قضايا كبرى، أن يُحدث فرقاً حقيقياً. لكنه اختار البساطة، اختار القناعة، اختار أن يبقى في مكانه الهادئ. أتذكر مرة عُرض عليه منصب في شركة كبيرة، الراتب أضعاف ما يتقاضاه، والمنصب مرموق. فرحنا له حين أخبرنا، ظننا أنه سيقبل. لكنه عا...