وكان معي أحمد(19) رمضانه الأخير
يحلّ عليّ رمضاني الثالث هنا، في هذه البلاد الغريبة والباردة، بعيداً عن عائلتي. تؤلمني هذه الحقيقة كلما حاولت تجاهلها. رمضان الذي كان دوماً عماد السنة والشهر الذي يغير إيقاع كل شيء، صار هنا مجرد أيام عادية، بلا لون يبهجني ولا طعم يرويني. أهرب من هذا الصمت بوضع قناة "الحرم المكي". أراقب الشوارع المزدحمة، والصلوات الجماعية، وسفر الإفطار الخضراء الممتدة في الساحات. أتأمل آلاف المسلمين وهم يتشاركون إفطاراً بسيطاً، يجمعهم تعب الصيام وفرحة اللقاء. لسنوات طويلة، كانت هذه هي مكة التي عرفتها؛ اعتكاف العشر الأواخر، السهر حتى الفجر في أروقة الحرم، الشوارع المغلقة، الزحام الذي لا ينتهي، وأكواب مياه زمزم التي تروي العطش والروح معاً. في البيت، كانت رائحة الشوربة والسمبوسة هي واجب محتوم، والتميس والفول وأوعية الجلي والكريم كراميل هم ضيوف السفرة الدائمين. كنا نفطر ونحن نشاهد الحرم المكي على التلفاز -القريب منا مكاناً وحباً- ثم نستمع لحديث الطنطاوي أو برامج المجد قبل أن نبدأ الاستعداد للمسجد القريب. لكن منذ سنوات، وأنا أقضي رمضاني وحيدة في أماكن غريبة؛ مرة في لندن، ومرة في إدنبرة، ومرة في أبها...