المشاركات

عرض المشاركات من فبراير, 2026

وكان معي أحمد(19) رمضانه الأخير

يحلّ عليّ رمضاني الثالث هنا، في هذه البلاد الغريبة والباردة، بعيداً عن عائلتي. تؤلمني هذه الحقيقة كلما حاولت تجاهلها. رمضان الذي كان دوماً عماد السنة والشهر الذي يغير إيقاع كل شيء، صار هنا مجرد أيام عادية، بلا لون يبهجني ولا طعم يرويني. أهرب من هذا الصمت بوضع قناة "الحرم المكي". أراقب الشوارع المزدحمة، والصلوات الجماعية، وسفر الإفطار الخضراء الممتدة في الساحات. أتأمل آلاف المسلمين وهم يتشاركون إفطاراً بسيطاً، يجمعهم تعب الصيام وفرحة اللقاء. لسنوات طويلة، كانت هذه هي مكة التي عرفتها؛ اعتكاف العشر الأواخر، السهر حتى الفجر في أروقة الحرم، الشوارع المغلقة، الزحام الذي لا ينتهي، وأكواب مياه زمزم التي تروي العطش والروح معاً. في البيت، كانت رائحة الشوربة والسمبوسة هي واجب محتوم، والتميس والفول وأوعية الجلي والكريم كراميل هم ضيوف السفرة الدائمين. كنا نفطر ونحن نشاهد الحرم المكي على التلفاز -القريب منا مكاناً وحباً- ثم نستمع لحديث الطنطاوي أو برامج المجد قبل أن نبدأ الاستعداد للمسجد القريب. لكن منذ سنوات، وأنا أقضي رمضاني وحيدة في أماكن غريبة؛ مرة في لندن، ومرة في إدنبرة، ومرة في أبها...

وكان معي أحمد (12) رثاء لا ينتهي ولن يكفي

كانت الأيام والليالي الأولى ألماً لا يصدق ولا يوصف، وحيرة لا تنتهي. نبكي ونضحك، نغني ونبكي.. نحاول التعامل مع الواقع الذي نرفضه. وهل يمكن لإنسان أن يتعامل مع خبر الفقد بشكل صحيح؟ وجدت سلوتي في أبيات أبي الحسن التهامي في قصيدته الموسومة بـ: "حكم المنية في البرية جاري" . أردد أبياتها في كل حين، وأسمعها قبل منامي وبعد استيقاظي، أضعها في مذياع السيارة وانا اقود في زحام المدينة و اضعها في سماعاتي وانا اتسوق و ارفع صوت التلفاز بها عالياً في غرفتي ؛ وجدت فيها تعزية صادقة، ولغة جميلة، ومعاني سامية، وحكماً خالدة. تعطيني اللغة فرصة لمعالجة مشاعري، يتحدث الشعراء بلساني فيما عجز عنه بناني ويصفون ما أشعر به وما أواجهه، تخفف عني كثيراً حقيقة ان الآخرين شعروا بما أشعر به.  طبيعة الحياة: دار ممر لا مقر خير ابتداء للابيات هو تقرير الشاعر طبيعة الحياة ذاتها؛ كلنا راحلون عن هذه الحياة وإن اختلفت تواريخ رحيلنا. نسمع أخبار رحيل غيرنا، ويوماً ما سيُسمع خبر رحيلنا. هي دار ممر لا دار مقر، وكل من عليها فان من حيوان أو إنسان ويبقى وجه الله. حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري ... ما هَذِهِ الدُنيا ب...

وكان معي أحمد (13) عقل لا يتكرر

هل كل فتاة بأخيها معجبة حقاً؟ هل أنا معجبة بأخي لما تجمعني به روابط الدم والأسرة، أم لأنه كان فعلاً روحاً نادرة وعقلاً لا يتكرر؟ لن أنفي عن نفسي تحيزي له وولائي لشخصه وتقبّلي لكل أفعاله وهواياته؛ فأنا أخته، وهذا وحده كافٍ ليشكّك القارئ في حكمي. لكن شاعرة العرب الخنساء قد رثت أخويها بقصائد عظام وبكتهم زماناً طويلاً، وهي تقول: أَلا يا صَخرُ إِن أَبكَيتَ عَيني لَقَد أَضحَكتَني دَهراً طَويلا بَكَيتُكَ في نِساءٍ مُعوِلاتٍ وَكُنتُ أَحَقَّ مَن أَبدى العَويلا دَفَعتُ بِكَ الجَليلَ وَأَنتَ حَيٌّ فَمَن ذا يَدفَعُ الخَطبَ الجَليلا إِذا قَبُحَ البُكاءُ عَلى قَتيلٍ رَأَيتُ بُكاءَكَ الحَسَنَ الجَميلا شعرت بهذه الأبيات كأنها تصفني وتصف شعوري وتصف دواخل نفسي، ولو أنها قيلت قبل ألف سنة وتزيد. حب الأخت لأخيها هو نفسه: دائم لا يزال، باقٍ لا ينقطع. وإنه من الشائع أن تكون الأخوات من أقوى المتأثرات بإخوانهن والمعليات من شأنهم. فأضع الأمر هنا ليحكم بيننا القارئ العزيز. هل أقول ما أقوله لأنه أخي؟ أو لأنه سُرق منا في صباح باهت قبل الأوان؟ أو لأننا كنا محظوظين به، محاطين بدعمه ورعايته؟ كان أحمد فخوراً باختلافه ...

وكان معي أحمد ( 14) المصباح في الروح انطفئ

بداخل كلٍّ منا مِصباحٌ يضيء له في قلبه الأمل، ويُبقيه راغباً في البقاء ومتحمساً للإنجاز. يُشعل له هذا النور الطريق ليتحمل صعوبات الحياة وقسوة الأقدار، وجفاء وجدب الأيام والسنين. كان مِصباحُ أحمد في قلبه يجسد بأبياتٍ عظيمة السكب، واسعة المعنى، كنا نشدو بها صغاراً ونرددها كباراً؛ أنا وأحمد و البقية وهي تقول: هل ترى المِصباح في الرُّوحِ انطفئ؟  هل جفاكَ الصُّبحُ؟ ما أقسى الجفا!   أعودُ وأجترُّ أيامي معه، وأتساءلُ  بعقلي و قلبي: كم مرةً انطفأ مِصباحك يا أخي؟ كم مرةً عادت الحياةُ في عينيك سوداءَ مقفرة، ومظلمةً مجدبة؟ هل كانت الحياةُ تَعْدُو في عينك وتكشر عن أنيابها بأقسى مما يتحمله قلبك المرهف؟ هل المِصباحُ هو تشبيهٌ لغويٌّ بليغ، أم هو حقيقةٌ فيزيائيةٌ نحملها في صدورنا فتحترق لِتُضيء؟ وكم ليلةٍ قضيتَها تظنُّ أنَّ الصُّبح جفاك وتركك وحيداً في عتمةِ غرفتك؟ وأنَّ الشَّمس لن تشرقَ بعد يومك لتنشر الضياء والأمل والفسحة والبهجة؟ هي ظِلالٌ كانت تسكنُ في عينك، واختفاءٌ لأثرك أياماً وأسابيع في انتظار الضوء، فلم يُضأ المِصباح، ولم تشرق الشَّمس، وبقيتَ أنتَ تُغالبُ العتمةَ بصمتٍ.  بس...