المشاركات

عرض المشاركات من ديسمبر, 2025

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

يُروى أن ثعلباً كان يقتاتُ على الفتات، وفي صدره طمعٌ يضاهي سعة الغابة، غير أنَّ هيبتهُ كانت أضعف من أن تُنيلهُ مراده. كان يراقبُ من بعيدٍ خلايا النحلِ والقرى المحيطة بها، ويعلمُ أنَّ العقبة الوحيدة أمام سيادته المطلقة هي "الدب الأسود"، ذلك العملاق النبيل الذي يحرسُ بوجوده توازن الغابة. لم يكن الثعلب قادراً على مواجهة الدب، فقرر أن يواجه "عقله". قام الثعلب بجمع "أدواته"؛ أرنباً مذعوراً، وغراباً جريح الجناح، وسلحفاةً أثقلها المرض. ساقهم سوقاً إلى أطراف الكهف حيث يسكن الدب. وحين استشعر الثعلبُ اقترابَ وقعِ أقدامِ سيدِ الغابِ، وهزيمِ الشجرِ تحت ثقله، أعطى إشارته لبدء "المسرحية". ارتمى الثعلبُ في الترابِ ينوح، وأجبر الضحايا من حوله على الصراخ والعويل. وقف الدبُّ مذهولاً أمام مشهد البؤس هذا، فسأل عن الخبر. رفع الثعلبُ طرفه باكياً وقال: «يا سيدَ الغابِ، لم نعد نبكي على أنفسنا، بل نبكي عليك! إنَّ هذا النحلَ الغازي لم يكتفِ بامتصاصِ رحيقِ زهرنا، بل بدأ ينسجُ مؤامرةً لاقتلاعِ ملكِك. لقد هاجم هؤلاءِ الضعفاء لأنهم يحبونك، وإذا فنينا نحنُ اليوم، فمن سيشهدُ غد...

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً

صورة
تتخزن الذكريات في عقل المرء مرتبطةً بأحاسيس وحواس؛ فقد ننسى وجوه العابرين، لكننا لا ننسى المشاعر التي تركوها في أرواحنا. قد تضيع ملامح مكانٍ ما في خريطة خيالنا، لكننا ما إن نشتمَّ رائحةً مألوفة حتى تُضاء البقاع المظلمة في ذاكرتنا، وتعود الجغرافيا حيةً كما كانت. كان أحمد في هذا الميزان شديد الاختلاف؛ فحضوره في ذاكرتي ليس مرتبطاً بمطالب أو "تشرُّط"، بل برضا واسعٍ لا يحده ضيق. لا أذكر عنه يوماً أنه علّق بسلبٍ على صنفٍ وُضع أمامه، أو أبدى تذمراً من نقصِ ملحٍ أو فواتِ جودة. أذكر حين كنا في بواكير المراهقة، جاع أحمد يوماً، وعلى كثرتنا نحن الأخوات من حوله، لم يطلب من إحدانا أن تكسر خلوتها لتعدَّ له طعاماً. كان يجيء فيسأل عن "المكرونة" وطريقتها، ثم يعود ليسأل عن علامات استوائها، ثم يطلُّ برأسه متسائلاً عن سرِّ صلصتها. كنا نستغرب كثرة أسئلته حتى نلحق به إلى المطبخ، فنراه حائراً في "مصيبته الشهية" يضحك؛ يضع قِدراً صغيراً على النار العالية، وقد اختفت المكرونة في الماء الكثير وطال طهيها حتى تعجنت وتغير قوامها، ويعمُّ المطبخَ بخارٌ كثيف مع رائحة صلصةٍ قد قاربت على الا...

وكان معي أحمد (5) موسم السفر الى تبوك

صورة
أربعة عشر ساعة من القيادة. هذه هي المسافة التي تفصل مكة عن تبوك.  حين أخبرتُ أحمد أنني أريد السفر لتبوك - تبوك! - للحصول على رخصة قيادة، توقعتُ أن يسألني: "لماذا لا تنتظرين دورك في مكة؟" أو "هل أنتِ جادة؟" لكنه قال فقط: "متى تريدين السفر؟"  كان ذلك في 2021. كنا للتو عائدين من اسكتلندا، وأحداث كوفيد-19 لا تزال حية. كنتُ أسكن في الملحق العلوي من المنزل بجوار السطح لأتفرغ للماجستير الذي كان بظروف شديدة الغرابة. ولما كنتُ حينها أقود السيارات المتوفرة في المنزل بدون رخصة سارية، رغبتُ أن أحصل على واحدة.  أتذكر المرة الأولى التي علّمني فيها أحمد القيادة، بعد صدور قرار منح الرخص للنساء. أصرَّ أن نتعلم على سيارة ذات غيار يدوي. "لماذا؟ الأوتوماتيك أسهل!" احتججتُ. "إذا تعلمتِ على اليدوي، ستقودين أي شيء. ثقي بي." لم أثق به - على الأقل ليس في تلك اللحظة. جلستُ خلف المقود، يدي اليمنى على "القير"، قدمي اليسرى على "الكلتش". أحاول نقل الغيار من "نيوترال" إلى رقم 1. السيارة تهتز، تصدر صوتاً مزعجاً، ثم تتوقف. "الكلتش! نس...

وكان معي أحمد (4) : خالية الوفاض في الرياض

صورة
هنا الرياض. أخيراً وليس آخراً . هنا ولدتُّ أنا وأحمد وعددٌ من أخواتي. كنتُ آخر من يخرج من الطائرة، أُمسكُ بيدي عدداً من المناديل التي مسحتُ بها دموعي وكتمتُ بها آهاتي المتكررة. مكسورةٌ بحجم الدنيا لأنني عدتُ للرياض خالية الوفاض. أخرجُ من بوابة الواصلين لأجد السائق يحمل لوحةً فيها اسمي، ويرتدي وشاحاً أزرق كُتب عليه: "مؤتمر الفلسفة". أتبعه للسيارة السوداء الفاخرة التي كُتب عليها الاسم نفسه. زيارةٌ مميزة للرياض هذه المرة على خلاف العادة؛ وحيدةٌ إلا من هواجس ووساوس وأحزانٍ عظيمة. أعرفُ طرق الرياض التي ألفتُها مراراً وتكراراً، وتذكرني الرياض بأخي الراحل لا محالة . في المرات العديدة التي اصطحبنا فيها للرياض، كان من عادته أن يخبرنا عن سفراته المتعددة، وإذا كان لأحدنا مصلحةٌ في السفر سافرتُ معه. محظوظاتٌ نحن بزوجته الوفية التي كانت ترحب بنا، فنذهب سوياً للاستمتاع في رحلاتنا بزيارة المقاهي والأسواق؛ تلك التي لم يكن أحمد يحبها. كنتُ حديثة الاستقالة كما أذكر، وذهبتُ معه لتسجيل أوراقي في إدارة المحاماة بوزارة العدل في الرياض. نزلنا فندقاً فاخراً كنتُ شديدة الانبهار به؛ أول فندقٍ بهذ...

وكان معي أحمد (3) نومة هنيئة

أقسمُ حياتي إلى أربع فترات حتى الآن: الطفولة المبكرة التي لا أتذكر منها الكثير، أيام حماستي ومراهقتي والعالم الآمن ما قبل دخول الجامعة، أيام الجامعة وما تلاها من تجارب، ثم أخيراً حين وضعتُ قدمي في أراضي الغربة لأول مرة. وفي كل منها كان معي أحمد. منذ أيام طفولتنا في الرياض، نلعب معاً في الفناء، وأغارُ من صلاحياته التي لا أملكها، كان معي في المدرسة معيناً ومساعداً، ثم كان يوصلني باستمرار ذهاباً وإياباً أيام الثانوية. ولم نزدد إلا تشابهاً لما حذوتُ حذوه ودرستُ معه في ذات الكلية في الجامعة: الدراسات القضائية والأنظمة. ولما بدأتُ أعمل في مهنة سبقني فيها، كان معلماً ومرشداً وموجهاً أقصده حين أحتاجه فيُجيب. تخرجتُ فعملتُ في دائرة ما، وقضيتُ أياماً بحلوها ومرها، ولما قررتُ أن وقت الرحيل حان، رفعتُ طلباً للاستقالة إلى الموارد البشرية، الذين ما فتئوا يتأخرون في إنهاء الأوراق، ولم تلبث الأيام إلا وغدت أسابيع وأنا أنتظر. كنتُ كغريق في بحر هائج يبحث عن النجاة، لكن بحري كان في عقلي، وطوق النجاة كان يطلب مني أن أتخلى عن كل شيء غير نفسي؛ إما أن أظل في وظيفتي الملائمة ظاهرياً، أو أقفز إلى عمق البحر مؤم...

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

صورة
بدا الطريقُ بينَ مكة وجدة طويلاً ومقفراً هذه المرة، وكلما ابتعدنا أكثر أصبح المسارُ أمامنا أكثرَ ظلمة. هكذا فكرت وأنا أغادر منزلنا في رحلة طويلة عبرتُها مراراً وتكراراً، أحزمُ متعلقاتي وأحلامي في حقائب محدودة، وأسمحُ لآمالي أن تظلَّ حرةً تحلقُ في رأسي وتشغلُ هواجسي طيلة الطريق إلى المطار. سفرتي هذه المرة معهودةٌ وغيرُ معتادة، رغبتُ فيها، واستعددتُ لها، وانتظرتُها طويلاً، لكنها لما أتت بدأتُ أضيقُ بها وأتضايقُ منها. أقلعت الطائرة وأُطفئت إشارةُ الأحزمة ولا زلت ملتصقة بالنافذة، أراقبُ آخرَ ما تبقى من أضواء الوطن في عيني، كأنها نجومٌ منيرةٌ في مجرةٍ بعيدة تضيءُ لي طريقَ الطموح قبل أن تخفتَ وتختفي. كان أحمد رفيقي في الرحلة، يحب أن يكون آخر من يركب الطائرة، يتجه بكل هدوء نحو المؤخرة التي يغلبُ أن تكون فارغة، وهكذا حصل كلُّ واحد منا على ثلاث مقاعد كاملة لنفسه. كنت مرهقةً ومريضة وحزينة لسبب لا أعلمه، ومرتابةً لشيء لم أعتده. ويا ليت شعري! لقد علمتُ بعد حين طويل أنَّ أحاسيسي كانت صادقة، وقلبي كان مرهفاً وواعياً. وعلى الرغم من أنها كانت الظهيرة، هبَّت نفحةُ هواءٍ قارصة جمدتِ الدمَ في عروقي عند خ...

و كان معي أحمد (1) حديث الجبل

صورة
الوقت يسير ببطء أكثر مما أريد. أحاول ألا أفكر في أنني ذاهبة إلى عمل بعيد عن أهلي، وأنني قبل ساعات قليلة تركت غرفتي وسريري الدافئ، وآخر كتاب كنت أقرأه لا يزال تحت المخدة. تطوي "معيّنة" الأرض طيًّا في ساعات الفجر الأولى، تسير على امتداد الساحل الغارق في عتمة الليل.  أجلس أنا في مقعد الراكب، على غير عادتي، بينما يقود أحمد "معيّنة" التي تضيء الطريق الفارغ أمامنا بضوئها الأبيض الهادئ. كنا نتجاذب أطراف الحديث بعد أن انتهى بودكاست ليكس فريدمان مع روبرت كينيدي الابن عن اللقاحات، وتأثير الحكومات على مصائرنا، والعلم الحديث، والمختبرات التجارية. حديث كنا قد خضناه من قبل حين فُرضت اللقاحات في أوج الجائحة. كان من طبعه ألا يأخذ المعلومة جاهزة، بل يغوص فيها بنفسه حتى يقتنع أو يرفض.  ثم ما لبثت السماء أن بدأت تُرسل خيوط فجرها الأولى، فانعكس ضوءها الوردي على سطح البحر، وصار الكون حولنا بنفسجيًا رقيقًا. توقفنا لصلاة الفجر في آخر محطة تهامية قبل أن نبدأ صعود جبال السروات ، كان الهواء رطباً و مشبعاً برائحة البحر وملوحة الأمواج.  وهناك، على سفح الجبل الشامخ عالياً، دار بيننا حوار لم...

و كان معي أحمد : المقدمة

كنتُ أنشأتُ هذه المدونة قبل أشهر، خططتُ أن أنشر فيها قصاصات من رحلة الدكتوراه الخانقة، علّي لا أفقد فيها ما تبقى لديَّ من مواهب وهوايات ضاعت وسط الطريق وتاهت في دروب الرحلة. لكن الحياة فاجأتني بمصاب عظيم وابتلتني بفجيعة كبرى، ولم يخطر لي ببال أن أحمد الذي بدأ هذه الرحلة معي قد يتركني وسط الطريق متلوعة، وأن عليَّ أُكمل الرحلة التي بدأناها سويًا بدونه. فعَظُمَ في عيني الألم وكَبُرَ في قلبي الابتلاء، وتغيّر معنى الرحلة كلها. ثلاثة وثلاثون عامًا وسبعة أشهر واثنان وعشرون يومًا عاشها. ودقيقة واحدة كانت كفيلة بأن يغادرنا غير منقوص العمر، وإنما هو كتابٌ جفّت أقلامه ثم رُفع. لا أمتلك لأخي صورًا كثيرة ولا مقاطع مُتلفزة، فاشتدَّ خوفي أن أفقد ذكرياتي معه كما فقدته، أن يطلع عليَّ صباحٌ لا أتذكره فيه بوضوح. الخوف من النسيان هو أقسى أنواع الفقد؛ أن تفقد الإنسان مرة، ثم تفقد ذكراه مرة أخرى. أن تنسى نبرة صوته، أن تتلاشى ذكراه، أن يأتي يوم لا تتذكر فيه كيف كان يُسكِتُ العالم بصمته. فأمسكتُ بالكلمات، لأنني لا أملك غيرها. قررتُ أن أكتب له أربعة وثلاثين نصًا، واحدًا عن كل عام من عمره. أكتب هنا لا رثاءً له ...