المشاركات

عرض المشاركات من يونيو, 2026

تحقيق صحفي (26): الخبر الذي وصل من العالم الأخر

  فتحت الجريدة تحقيقاً استقصيائيا للاجابة على سؤال : هل يفتح النوم حالة روحانية تكشف حجب الملكوت الى عالم الارواح للحصول على ايصال استلام؟ وذلك للتحقق من مؤشرات حدوث اتصال غير مادي تخطى العوالم المادية، وذلك في أعقاب بلاغ تلقته من مصادر أسرية متأثرة بحالة فقد يعود تاريخها إلى العام الماضي. وينصب التركيز الإجرائي للتحقيق على فحص القيمة الثبوتية لإفادة شفهية أدلى بها مصدر طفل، تلتها إجراءات تأويلية من قِبل طرف ثالث، لتقييم مدى كفاءة قنوات الاتصال بين عالم اليقظة وعالم الراحلين، حيث تهدف الجريدة الى الخروج بكشف الحقيقة لاراحة القلوب التي تواجه مأزق وفاة المقربين. وبدأ التحقيق باستقبال معطيات التحري الجاري في مسار الرصد، وذلك بعد تسجيل أثر مادي ملموس تمثل في وصول رسالة نصية إلى جهاز الهاتف المحمول الخاص بالمصدر رقم (1). وباطلاع الفريق الصحفي على محتوى الرسالة، تبين أن المضمون ينطوي قصة عجيبة، وتنطلق من معطيات شديدة الخصوصية وعميقة التأثير في بنيتها النفسية؛ مما دفع الخبير الصحفي إلى اتخاذ قرار فوري بالتقصي والتحرك بوجه السرعة والدقة لمنع اندثار معالم الأدلة. وبالانتقال إلى مرحلة جمع ال...

ورقة بحثية مصنفة: بروتوكول الكوانتم المتقدم لقياس الكتلة النوعية للحزن في جذر تربيع الغربة (32)

الملخص (Abstract) يتواجد في داخل القلب الحزين فراغات بنيوية في البطين الأيمن تؤدي إلى تكثف ذرات الأسى، وتحديداً عبر استدعاء مفارقة "الوجود الغائب"؛ حيث يُعامل الفقيد "أحمد" كجسيم فائق يحمل حالتين متناقضتين في آنٍ واحد داخل حجرة الغربة المغلقة: (موجودٌ في الذاكرة بكامل تفاصيله، وغائبٌ في الجسد بكامل ثقله). تحكم هذا التراكب الوجودي دالة الحالة التالية: معادلة شرودنغر لأحمد: [دالة الحالة الروحية = (أحمد: موجود في الذاكرة) + (أحمد: غائب في الجسد)] ويمكن استخدام قانون الجاذبية البشرية العاطفية المبني على الحنين لقياس انحناء المكان، وتحديد الإحداثيات الدقيقة لموقع الثقب الأسود المتشكل في قلب الأخت التي فقدت أخاها وفق حسابات أفق الحدث: معادلة أفق حدث الفقد: [نصف قطر الثقب الأسود في القلب = (2 × ثابت الحنين العالمي × كتلة ذكريات أحمد) ÷ (مربع سرعة الشوق)] وبناءً على كل ما سبق، تم تصميم هذه الدراسة لاكتشاف بروتوكول تجريبي، مدعم بالأبيات الشعرية المكثفة والقهوة السوداء، لقياس الكتلة النوعية للحزن في الفراغ المربع الواقع في (جذر تربيع الغربة). أولاً: الفرضية الإشكالية (Hypothe...

معجم الثكالى و المحزونين (31)

  المعجم: ليس محاولة لحصر الكلمات، بل هو محاولة لترويض الوجع الشاسع وضبطه في قوالب الحروف؛ هو اعترافٌ علني بأننا نعيش في عالمين: عالمٌ يتحرك فيه الناس من حولنا بقواميسهم العادية، وعالمٌ موازٍ نسكنه نحن، نترجم فيه كل تفصيلة صغيرة بلغة الفقد، ونقتات فيه على أمل اللقاء، مدركين أن الحكاية لم تنتهِ بعد، وأن فصولها الأجمل كُتبت هناك.. حيث لا فراق، ولا أحزان. أبجدية المشاعر والجسد الألم: شعورنفسي يسري في الجسد، يبدأ بوخزة، يمر غصةً في الحلق، ويستقر ثقلاً في القلب كلما مرّ طيف ذكرى المتوفى. الحزن: ليس نوبة بكاء تنتهي، بل صفة شخصية جديدة تُضاف إليك، تعيش معك وتتعايش معها، تصبح ظلك الذي لا يغادرك. الأسى: أن تدرك عمق ما فقدت وحجم ما ذهب من حياتك بكامل وعيك في لحظة تجلي كاملة البكاء: سلوك يومي متكرر، تتحول فيه مشاعرك من عالم الإحساس غير المرئي إلى فيزياء الجسد الملموسة؛ حيث تتكثف قطرات الحزن لتصبح أنهاراً تجري على خدك وتغرق صدرك. الأمل: شعور خفي وعميق يظهر كضوء خافت في الفؤاد، يرفض الانطفاء، يقتات باليقين باللقاء، ويزداد بالدعاء، ويقوى بالثبات، ويستقر بالوقوف في الصلاة. الامتنان:  أ...

ما بقي بعد التصفية (29)

ومِن بعدِ رحيلِ أحمدَ.. تغيّرتْ عَدسةُ النظَر، وتبدّلتْ وجهةُ الفِكَر. صَغُرتْ في العَينِ الدُّنيا المتسِعة، واتسَعتْ في القلبِ البَصيرةُ الضيّقة؛ فصَارَ ما كانَ بالأمسِ يُقلقُ النفْسَ لا يستحقُ العَناء، وما كانَ يُرسمُ بجدٍّ وهَوى أهْوَنُ منْ أنْ يُستنزَفَ فيهِ الجُهْدُ والشقَاء. غَدتْ ألوانُ الحياةِ باهتةً في بَهجتِها، حادّةً في حقيقتِها. وانقشَعَ عَنِ النفسِ فَزَعُ المَجهول، وزَالَ عَنِ الصّدرِ خَوفُ الأُفول؛ فكُلُّ مَا هُوَ مُتوَقَّعٌ آت، وكُلُّ مَا هُوَ آتٍ مَقْدرٌ لا مَحالةَ واقِع. وهُنالِكَ استَيقظتْ عَدسةُ اليَقين، وتجلّتْ حَقيقةُ الدّين؛ فتَحَوَّلَ الإيمانُ بالقضَاءِ إلَى واقِعٍ يُعاشُ بالصَّبْر، وصَارَ التّسليمُ بالقدَرِ اختِباراً يُجتَازُ بدَمْعِ المَحْوِ لا بحِبْرِ السَّطْر؛ إذْ لَيسَتِ العقَائِدُ كَلماتٍ بَاردةً تُلقَى في المَنابِر، ولا حُروفاً جَامدةً تُودَعُ في الكتبِ والدَّفاتر. إنَّ الفَقْدَ مُنخُلٌ قَاصٍ: يُصفّي رُكَامَ السّنِين، ويُبقي مَا ثَبَتَ باليَقِين. بَينَ مِطْرَقتِهِ وسِنْدانِهِ تَتَشكَّلُ الصِّلات، وَتَحْتَ وَطْأَةِ ضَغْطِهِ تَمْتَحِنُ الصَّداقَات؛ فإِمَّا خ...

و بعد : نحن على قيد الحياة (28)

حلّ الصيف هنا في الأرض الغريبة. طلعت الشمس لا كما كانت خجلة ومترددة، بل قوية وساطعة، تمد أشعتها في كل مكان، تُلهب الأرض وتُنضج الثمار. تظهر الشمس هنا أخيراً كما عرفتُها طيلة عمري، متسلطة ومتفردة بالحكم، تقرر هي كيف يعيش هذا الكوكب، ونملك نحن الرجاء بهطول المطر أو ظهور الغيم. أحب الصيف هنا. كانت أوصالي قد جمدت في مغيب سالفة الذكر، أرهقتني كثرة الطبقات وثقل الملابس وسرعة حلول الظلام، لما كنتُ ألتمس دقائق من صباح مشرق وأرض جافة فأهرع لأشرب كوباً من الشاي الساخن علّي أُشعل في جوفي حرارة تُدفئ قلبي المتعب. الآن أجلس في الشرفة تحت أشعة الشمس الحارقة، أتخيل أن الجيران في غاية الذهول من تلك المرأة التي تخرج لتجلس تحت الشمس مباشرة، تحمل معها كوباً بنفسجياً معزولاً يحتوي على قهوة مثلجة، وفاكهة مبردة، وتتمدد تحت الشمس لساعات. أكمل عملي من هاتفي، وأكتب ملاحظات البحث، وأقرأ ملخصات الأوراق، وأصيغ الحجج، وأتقدم للمؤتمرات. لم تكن الأشهر الماضية كما تخيلتُ خالية وفارغة، ولم تسمح لي الحياة أن أتوقف عنها لأني حزينة. أشعر أحياناً بالذنب لأني أكملتُ حياتي وأحمد ليس معي. كيف استطاع قلبي الوقوف في قاعات المؤ...

البكاء على شاهد القبر (27)

كنتُ في الخامسة عشرة لما سمعتُ أذنيَّ أول مرة لامرئ القيس. كنا في أول حصة للأدب العربي في أول مرحلة في الثانوية، مترددةً بعض الشيء أنني اخترتُ الفرع الشرعي مقابل الفرع العلمي، إذ كنتُ أحب العلوم والأحياء وبعض الرياضيات بشدة، انتصر الكُره وهربتُ من الرياضيات، وهكذا وجدتُ نفسي في حصة الأدب العربي. قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ شعرتُ برجفة خفيفة في جسدي، ألهبتِ الأبياتُ قلبي وسارت القافية كموسيقى في أذني. حفظتُ القصيدة كاملة من أول يوم، أكررها أحياناً وأفكر في معانيها، أعود إليها الآن بعد خمس عشرة سنة أخرى، وأدرك ما فقدتُه في حزني: شاهد قبر أقف على أطلاله وأبكي فقيدي. قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ القبر الذي لا أعلم مكانه، ولا أستطيع الوصول إليه. إن البكاء على الأطلال عند العرب القدماء كان طقساً كاملاً: تعبّر فيه عن حزنك العميق، تستشعر قُرب فقيدك وتستوعب بُعده السحيق، تربط بين قُرب ذكراه وبُعد منازله. وأنّى لي ذلك؟ كَأنِّي غَدَاةَ الْبَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا لَدَى سَمُرَاتِ الْحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ يشكو امرؤ ال...

حين تكلم الجماد (25)

أخيراً حان وقتي أخيراً ليسمع أحد صوتي عشت حياتي في ظلمة المخازن وأقبية المصانع، حتى تنقلت من يد إلى يد مع رفقة من الإخوة إلى أن وصلنا إلى متجر حاسبات يقع في شارع صغير ومزدحم. جلست في القبو عدة أشهر، لا يدخل علي أحد إلا العمال الذين يخاطرون ويدخنون وهم يتناقلون النميمة بينهم، كنت أخاف من فكرة أن شرارة من عقب سجائرهم ستشعل حريقاً في أغلفتي ومن حولي، لكني مقيّد ومغلف وفوق كل ذلك جماد لا لسان له. أخذت الأجهزة من حولي تختفي يوماً بعد يوم وأجهزة أخرى تحط رحالها ولا تثبت إلا أن تتخاطفها أيدي العمال لتصعد للأعلى، كنت أخاف من أيدي العمال ومن ضوء الشمس فجلست صابراً لا أحصي الوقت ولا أعرف الثمن. في صباح يوم مشمس حضر عامل وحملني إلى الأعلى، ومن بين زفراته المرهقة سمعته يقول: نعم هذا للمتجر الأونلاين، عرفت أن قدري مختلف وأني ذاهب لأرض أخرى لا أسمع فيها المادندرين ولا أشتم السجائر المحلية.تنقلت بعدها أكثر مما فعلت منذ ركبت أجزائي، هل كان هذا الصوت صوت الطائرة أم الباخرة؟ كانت الأرض تهتز أحياناً فأفكر أن الطائرة تهتز بسرعة والباخرة تهتز ببطء وتموج.  وصلت أخيراً إلى شاحنة تسير مسرعة في طرقات مدينة...

عاد الحج ولم تعد وجاء العيد ولم تجيئ (24)

 بدأت عشر ذي الحجة  أفتح التلفاز على الحرم المكي الذي يزداد ازدحاماً يوماً بعد يوم  أعرف هذه الأيام عن ظهر قلب  حين تعيش مكة أجمل ايامها كعروس يقصدها البعيد و القريب  تتزين الشوارع بالغاديين و القاصدين و الحجاج  يزداد ضخب الحافلات و تغض الطرق بالسيارات  تعمر ابراج فنادقها و عمارتها التي ظلت في فترة السبات " الموسمي"  تزدحم الاسواق و محال الهدايا تضاء أنوار المشاعر المقدسة و تنصب الخيام استعداداً للأيام الذهبية  أما الحرم المكي و الكعبة المقدسة , فهي ترى الملايين يوماً بين طائف و ساع و مصلٍ و باكٍ يعرف أهل مكة هذه الأيام , ولربما تشق عليهم أحياناً و يتذمرون منها  فالشوارع مغلقة  او غاية في الازحادم و حواجز التفتيش تعني قضاء وقت أطول بكثير في أي مشوار صغير  لكنهم يحبونها في داخلهم  هاهي مكة قد حان وقتها  و لمدة اسبوع تتوجه انظار المليارات من االبشر لمكة و قلوبهم ملؤها الغبطة و الرجاء  أما قلوبهم فهي متوجه لها طوال العام كلما رفعوا ايديهم للصلاة و وجهوا وجوهمم نحو مكة و كمكية أصيلة يرفرف قلبي لمكة و للحج و تتخاطفني ...