و بعد : نحن على قيد الحياة (28)


حلّ الصيف هنا في الأرض الغريبة.

طلعت الشمس لا كما كانت خجلة ومترددة، بل قوية وساطعة، تمد أشعتها في كل مكان، تُلهب الأرض وتُنضج الثمار. تظهر الشمس هنا أخيراً كما عرفتُها طيلة عمري، متسلطة ومتفردة بالحكم، تقرر هي كيف يعيش هذا الكوكب، ونملك نحن الرجاء بهطول المطر أو ظهور الغيم.

أحب الصيف هنا. كانت أوصالي قد جمدت في مغيب سالفة الذكر، أرهقتني كثرة الطبقات وثقل الملابس وسرعة حلول الظلام، لما كنتُ ألتمس دقائق من صباح مشرق وأرض جافة فأهرع لأشرب كوباً من الشاي الساخن علّي أُشعل في جوفي حرارة تُدفئ قلبي المتعب.

الآن أجلس في الشرفة تحت أشعة الشمس الحارقة، أتخيل أن الجيران في غاية الذهول من تلك المرأة التي تخرج لتجلس تحت الشمس مباشرة، تحمل معها كوباً بنفسجياً معزولاً يحتوي على قهوة مثلجة، وفاكهة مبردة، وتتمدد تحت الشمس لساعات.

أكمل عملي من هاتفي، وأكتب ملاحظات البحث، وأقرأ ملخصات الأوراق، وأصيغ الحجج، وأتقدم للمؤتمرات. لم تكن الأشهر الماضية كما تخيلتُ خالية وفارغة، ولم تسمح لي الحياة أن أتوقف عنها لأني حزينة.

أشعر أحياناً بالذنب لأني أكملتُ حياتي وأحمد ليس معي. كيف استطاع قلبي الوقوف في قاعات المؤتمرات متحدثةً، وفي رحاب الجامعة متعلمةً، وفي الأسواق مشتريةً؟ أحار في إجاباتي وأدرك أن الحياة بالرغم من كل شيء لم تقف، ولن تقف.

قد أستطيع التظاهر بأن الحياة توقفت فلا أعمل ولا أستمتع بأكل ولا شرب ولا أنتزه ولا أجرب الأزياء الجديدة، لكن هذا النوع من الحزن اختيار لمن يملك رفاهية التوقف، وأنا كخيل في حلبة السباق لا أستطيع التوقف.

تعلمتُ أن الحزن لا ينبغي أن يلتهمنا كلياً، أن نتعايش معه لأنه سيبقى، أن نُعطيه وقته ثم نفكر في شيء آخر، فلا الميت يعود ولا الحزن ينتهي، وبين هذا وذاك كُتب لنا أن نعيش حياتنا.

أدركتُ أن الحزن المعاش في بقية العمر أعمق أثراً وأقل ظهوراً. سمعتُ عن باحث تُوفي فحزنتُ له وبكيتُ بالرغم أني لا أعرفه شخصياً. زميلة كان أخوها قد أُصيب فظللتُ أدعو له بالشفاء والعافية باستمرار، وأُرسل دعواتي لها علّي أُواسيها قليلاً. خلا ذلك فأني أنتزه وأضحك وأخرج وأدخل وأسافر وأجرب، أستمتع بأشعة الشمس وبرودة القهوة المثلجة وحلاوة الفراولة وحموضة التوت وقرمشة المكسرات.

هو الحزن إذا عشنا معه بقي ولم يغلب، وهو القدر إذا قبلناه هانت علينا الأمور.

سيُفتح بابٌ إذا سُدَّ بابُ

نعم وتهون الأمور الصعاب


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً