تحقيق صحفي (26): الخبر الذي وصل من العالم الأخر

 

فتحت الجريدة تحقيقاً استقصيائيا للاجابة على سؤال : هل يفتح النوم حالة روحانية تكشف حجب الملكوت الى عالم الارواح للحصول على ايصال استلام؟ وذلك للتحقق من مؤشرات حدوث اتصال غير مادي تخطى العوالم المادية، وذلك في أعقاب بلاغ تلقته من مصادر أسرية متأثرة بحالة فقد يعود تاريخها إلى العام الماضي. وينصب التركيز الإجرائي للتحقيق على فحص القيمة الثبوتية لإفادة شفهية أدلى بها مصدر طفل، تلتها إجراءات تأويلية من قِبل طرف ثالث، لتقييم مدى كفاءة قنوات الاتصال بين عالم اليقظة وعالم الراحلين، حيث تهدف الجريدة الى الخروج بكشف الحقيقة لاراحة القلوب التي تواجه مأزق وفاة المقربين.

وبدأ التحقيق باستقبال معطيات التحري الجاري في مسار الرصد، وذلك بعد تسجيل أثر مادي ملموس تمثل في وصول رسالة نصية إلى جهاز الهاتف المحمول الخاص بالمصدر رقم (1). وباطلاع الفريق الصحفي على محتوى الرسالة، تبين أن المضمون ينطوي قصة عجيبة، وتنطلق من معطيات شديدة الخصوصية وعميقة التأثير في بنيتها النفسية؛ مما دفع الخبير الصحفي إلى اتخاذ قرار فوري بالتقصي والتحرك بوجه السرعة والدقة لمنع اندثار معالم الأدلة.

وبالانتقال إلى مرحلة جمع الاستدلالات والتحري الميداني، جرى سماع أقوال مواطنة (أخت لمتوفى غاب قبل عدة أشهر). وأفادت الشاهدة في التقرير الموقع بأن تركة الراحل لم يجرِ إنهاء إجراءات تقسيمها القانونية إلا خلال الأسبوع الماضي فقط. وأضافت أنه فور الانتهاء من المعاملات الرسمية للقسمة، سُجلت واقعة استيقاظ ابنها من النوم في حالة من الذعر والدهشة (اتساع شديد في حدقة العين)، حيث أدلى بإفادة شفهية بصوت عميق ومغاير لنبرته المعتادة، مستعرضاً ما رصده في منامه.

وجاء في نص شهادة الطفل ما يلي:

"لقد رأيتُ خالي البارحة رأي العين كما كان تماماً، كان يرتدي ثوبه الأبيض ويخرج من بوابات المطار، وكانت ابتسامته تسبقه. استقبلته الأسرة هناك وركب معها في السيارة متوجهين إلى المنزل. وفور وصوله، نزل وركب المصعد متوجهاً إلى شقته الواقعة في الدور الثالث. وهنا انتهى الأمر".

ولغرض إخضاع هذه الإفادة الشفهية للفحص التخصصي، أحال الفريق الصحفي منطوق شهادة الطفل إلى مفسر أحلام ، بوصفه الخبير الفني المعتمد لتقييم المؤشرات غير المادية في مثل هذه الحالات. وجاء التقرير التأويلي الصادر عن الخبير ليعلن فرضية ترتبط مباشرة بالتوقيت الزمني لتقسيم التركة؛ حيث نص الحكم التأويلي على أن المستهدف (الخال) يتواجد حالياً في حالة سرور تامة نتيجة تسلمه صكوك الأعمال والصلوات التي رفعتها المنظومة العائلية بالتزامن مع إبراء ذمته المالية. 

من الناحية التحليلية، يضع هذا التقرير الفني أطراف التحقيق أمام آلية اتصال دائرية مقلوبة؛ حيث تشير المعطيات إلى أن الإجراءات القانونية والأعمال الصالحة التي تمت في عالم اليقظة، تحولت إلى طاقة عبور ارتد صداها في منام الطفل كـ "إيصال استلام روحي" يؤكد نجاح القناة الناقلة بين العالمين.

وبالتوسع في شق التحري المنهجي، أخضع التقرير الواقعة للفحص المقارن بالرجوع إلى المصادر الشرعية، والأحاديث النبوية، والأدبيات المتخصصة في علم الأرواح العلوية والملائكة الخفية، لتفكيك طبيعة حجاب الغشاوة الفاصل بين عالم الدنيا وعوالم البرزخ البعيدة. يقول تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وقوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وفسره بعض السلف ققال : تقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله أن تتعارف ، فيمسك التي قضى عليها الموت التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى .

وخلص الفحص التوثيقي إلى إثبات صحة عدد من الأدلة والمستندات الشارحة لطبيعة الظاهرة؛ حيث تبين أن النوم يُصنف كـ "حالة روحية عرفانية" تعرج بموجبها روح النائم في غيوب الحجب العلوية وصولاً إلى عالم الأرواح الخالدة التي فارقت أجسادها الفانية. وأثبتت مراجعة الادبيات الشاملة إمكانية حدوث اتصال نوراني متبادل في هذا الفضاء، تتسرب عبره الأخبار والأحداث في تجلٍّ إلهي يمثل رحمة الله بعباده، وهو الذي اختص حصرياً بأسرار الأرواح، وملكوت السماوات، ومنامات المحبين.

وكإجراء صحفي مستقر، كان يجب أن تخضع هذه الادعاءات لمواجهة مباشرة لضمان حق الرد واستكمال عناصر التحقيق الميداني. إلا أن فريق التحقيق لم يستطع التواصل مع الأطراف المعنية في عالم اليقظة لتفسير بند اللوم والعتاب المبطن الذي ورد في متن الرؤيا.

وبناءً عليه، اتخذ الفريق إجراءً تحريرياً غير معتاد؛ حيث خطط أعضاء الفريق للدخول في ساعات نوم طويلة ومتواصلة، على أمل أن يحدث التواصل البرزخي المأمول في فضاء الحلم، ويتم استنطاق المصادر واستكمال خيوط التحقيق.

وفي الختام، واجهت المنظومة الصحفية معضلة مهنية حادة تتعلق بمعايير النشر والبينات الصحفية و الاحكام القضائية، حيث لا تعترف اقلام المحرر الدقيقة بابتسامة قلب مشتاق أو مكالمة من العالم الأخر. ومن جهة أخرى، تُعتبر هذه الأدلة غير كافية للطي أو الإهمال؛ نظراً لأن تحول مناخ العائلة من لوعة العجز إلى سكينة السعي المتصل لمزيد من العمل الصالح، إذ يُعد الأثر الروحي الأكثر ثبوتاً ومادية.

ولا يزال الفريق ينتظر الحالة الروحانية اللازمة لفتح محضر المواجهة.

وهكذا يتم إيداع أوراق التحقيق في أدراج مقفلة بانتظار الإجابات والخواطر الربانية، لتظل ملفات هذا البرزخ مفتوحة ومصنفة تحت بند الكتمان الشديد، طالما أن الليل يعود، وطالما أن النوم يمنح السالكين ترف اللقاء.

أ.هـ

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً