معجم الثكالى و المحزونين (31)

 

المعجم:

ليس محاولة لحصر الكلمات، بل هو محاولة لترويض الوجع الشاسع وضبطه في قوالب الحروف؛ هو اعترافٌ علني بأننا نعيش في عالمين: عالمٌ يتحرك فيه الناس من حولنا بقواميسهم العادية، وعالمٌ موازٍ نسكنه نحن، نترجم فيه كل تفصيلة صغيرة بلغة الفقد، ونقتات فيه على أمل اللقاء، مدركين أن الحكاية لم تنتهِ بعد، وأن فصولها الأجمل كُتبت هناك.. حيث لا فراق، ولا أحزان.

أبجدية المشاعر والجسد

  • الألم: شعورنفسي يسري في الجسد، يبدأ بوخزة، يمر غصةً في الحلق، ويستقر ثقلاً في القلب كلما مرّ طيف ذكرى المتوفى.

  • الحزن: ليس نوبة بكاء تنتهي، بل صفة شخصية جديدة تُضاف إليك، تعيش معك وتتعايش معها، تصبح ظلك الذي لا يغادرك.

  • الأسى: أن تدرك عمق ما فقدت وحجم ما ذهب من حياتك بكامل وعيك في لحظة تجلي كاملة

  • البكاء: سلوك يومي متكرر، تتحول فيه مشاعرك من عالم الإحساس غير المرئي إلى فيزياء الجسد الملموسة؛ حيث تتكثف قطرات الحزن لتصبح أنهاراً تجري على خدك وتغرق صدرك.

  • الأمل: شعور خفي وعميق يظهر كضوء خافت في الفؤاد، يرفض الانطفاء، يقتات باليقين باللقاء، ويزداد بالدعاء، ويقوى بالثبات، ويستقر بالوقوف في الصلاة.

  • الامتنان: أن تشعر بدفء يستلل الى قلبك و ينساب في جسدك يطفئ نار الفجيعة ويهون عظم المصاب، يحول الألم إلى أمل، والحيرة إلى رضا، والوجع إلى حمد.

تفاصيل الأيام والمواسم

  • العصر:  وقت من اليوم تشعر فيه بالقلق، ويتسلل الانقباض إلى الصدر مع قرب موعد توافد الناس وبداية ساعات العزاء اليومية.

  • الليل: وحش يتربص بالمحزونين، يطول حتى تظن أنه لن ينتهي، تماماً كما قال امرؤ القيس يهاجمك كموجة عملاقة سوادء تبتلعك بشراسة و تتركك غارقاً في السواد حتى مطلع الشمس.

  • الفجر: الاستيقاظ صباحاً في عتمة البدايات، لتسأل نفسك بذهول: مالذي حدث وماذا فقدت؟ هل كان هذا مجرد حلم؟ وكيف سأعيش ما بقي من عمري؟

  • رمضان: شهر يخلع فيه المحزون التماسك والكبرياء؛ هو موسم للتسامح مع البكاء، والزيادة في الإلحاح بالدعاء، والإفراط في الرجاء، في مزيج نادر من البهاء الذي يربط الأرض بالسماء.

  • الذكرى السنوية الأولى: شعور غريب جارف بالذهول والمفاجأة يأتي على بغتة، ليذكرك الصخب من حولك أنك عشت طوال هذا العام، وأنك عشت ونجوت هذا العام ولربما لعدد محدود من السنوات اللاحقة قبل اي يحل يومك.


جغرافيا الأماكن والذاكرة

  • المنزل: مكان كنت تعيش فيه مع أشخاص لم يعودوا هناك؛ البقعة التي تذكرك بالفقيد في كل زاوية، وتحوي أغراضه، وتفاصيله، وبقايا رائحته العالقة في الهواء.

  • المطار: بوابة اللقاءات القديمة التي تحولت إلى مساحة من الوحشة؛ يحيط بك البشر، لكن الشخص الذي كان يستقبلك لن يقف خلف تلك البوابات ليستقبلك مرة أخرى، فلا ترى أحداً حولك.

  • الوطن: قطعة من الأرض تعيش فيك، ومجموعة من الأشخاص تحيا لأجلهم، وقائمة من المبادئ والقيم التي تعطيك معنى الوجود، وعدد من الأحباب الذين فقدتهم.

  • البحر: مساحة من المياة المالحة مثل دموعك، عميقة مثل عمق حبك للفقيد، واسعة مثل فراغ قلبك بعده، مرعبة مثل الحياة من بعده


من معجم أحمد: 

  • الرياض: ليست مجرد عاصمة، هي الجغرافيا الحية التي شهدت الأيام والتفاصيل، حيث عاش أحمد، وعشتِ معه، وشهدت خطاه وضحكاته.

  • الرجولة: أحمد معيارها المرتفع الذي اعلم انه رفع سقف استحقاقي عالياً.

  • تيسلا: تلك السيارات الكهربائية الحديثة، التي طالما تأملها أحمد وأحب تفاصيلها وتطورها، ولم يسمح له عمره القصير والآفل سريعاً أن يقتنيها أو يرى أحلامه الصغيرة فيها تتحقق.

  • مكة: المكان المقدس البهي، الذي أحبه أحمد، وشغف حباً بمسجده الحرام ومشاعره المقدسة؛أرض لم يكتب له ان يدفن فيها.


أدوات الحياة ومقتنياتها

  • الجوال: ذلك الجهاز الصغير القابع في جيبك، والذي تحول في لحظة خاطفة من أداة تواصل إلى رسول الشؤم الذي نقل إليك النبأ الذي غيّر مجرى حياتك: خبر وفاة فقيدك.

  • الإيميل: صندوق الوارد الذي تحول إلى أرشيف صامت، يذكرك في كل مرة تفتحه أن أحد العناوين التي كانت تصدّر قوائم المرسلين قد توقفت عن الارسال للأبد.

  • التركة: ممتلكات، وأشياء، وتفاصيل مادية تركها الراحل خلفه، تشعر بذنب عميق وتأنيب للضمير حيال الاستفادة منها أو التصرف فيها، لم يكمل استمتاعه بها فهل يجوز لغيره ذلك؟

  • الصور: لحظات زمن حبستها التقنيةعن الرحيل الى اقبية الذاكرة؛ دوائك الذي تتمسك به و تتمنى لو كان لديك المزيد.

  • الكتابة:طريقة ابداعية للتعبير عن الحزن ودواء فعال لعلاج الالم ومحرك قوي لمكافحة النسيان و ضرورة لكل  ثاكل حزين.

  • الشاي: كوب دافئ  بشرب ببطء يدفعك نحو هدوء مؤقت، وسكينة قسرية، يواسي قلبك بالتذكير: "حتى هذا الوقت الثقيل سيمضي".

الروابط والصلات الإنسانية

  • العائلة: لوحة دافئة أصبحت للأبد صورة منقوصة ولا يمكن لأي إنسان آخر أن يملأه.

  • الوالدين: أشخاص مكلومون، هم الصبر في أبهى وأقسى صوره.

  • العلاقات: شبكات من الأشخاص والمعارف، الذين تعيد تقييمهم وفرزهم بميزان الدعم والصدق عند الوجع والانكسار.

  • النزهات العائلية: محاولة شجاعة للمضي، وقت تجتمع فيه الأسرة لتجديد طاقتها وصناعة ذكريات جديدة، وفي ذات الوقت، هي محاولة بائسة لتناسي ألم الفقيد الخالدة ذكراه بين الالعاب والضحكات.

  • السفر براً: الطريق الممتد الذي صار مشحوناً بالذاكرة؛ مسافات طويلة وساعات حافلة بقصص ومواقف لا تُنسى، قُطعت يوماً مع فقيدٍ غادر الأرض وترك تفاصيله منقوشة على جنبات الطريق.

مفاهيم وجودية

  • العزاء: كلمات باردة، مكررة، ومستهلكة.. لكنها رغم ذلك تُحدث أثرًا دافئًا في النفس، لا لجمالها، بل لأنها تخرج من قلوب أشخاص يحملون لك الحب ويؤدون واجب الرعاية في انكسارك.

  • الشبه: حالة من الترقب والبحث اللاواعي، تدفعك لتفحص وجوه المارين في الشوارع وعابري الطرقات، رغبةً في التفاتة أو ملمح يعيد إليك ملامح الراحلين الذين لن يعودوا، بعد أن افتقدت عيناك تفاصيلهم.

  • شهادة الوفاة: ورقة رسمية جافة، لكنها الإثبات العملي والنهائي على أن حياتك القديمة قد انتهت، وأن حياتك القادمة قد تغيرت للأبد. أمام هذه الورقة أنت في اختبار وجودي: إما أن يقوى إيمانك ويشتد عود صبرك، وإما أن تائهًا تفقده.

  • الحياة: أن تكون راكباً في رحلة عجيبة متقلبة، ترمي إليك بكل ما يمكن تصوره وما لا يمكن تصوره من الأقدار والمفاجآت، تستمر مهما حدث ولا تتوقف مهما كان، فقط للأمام.

  • الوفاة: عروج الروح من ثقل الجسد الى خفة بروج ملكوت السماوات، أعظم المصائب وأصعب الفواجع وأشد ما يقع وأمقت ما يصير.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً