ما بقي بعد التصفية (29)

ومِن بعدِ رحيلِ أحمدَ.. تغيّرتْ عَدسةُ النظَر، وتبدّلتْ وجهةُ الفِكَر.

صَغُرتْ في العَينِ الدُّنيا المتسِعة، واتسَعتْ في القلبِ البَصيرةُ الضيّقة؛ فصَارَ ما كانَ بالأمسِ يُقلقُ النفْسَ لا يستحقُ العَناء، وما كانَ يُرسمُ بجدٍّ وهَوى أهْوَنُ منْ أنْ يُستنزَفَ فيهِ الجُهْدُ والشقَاء. غَدتْ ألوانُ الحياةِ باهتةً في بَهجتِها، حادّةً في حقيقتِها. وانقشَعَ عَنِ النفسِ فَزَعُ المَجهول، وزَالَ عَنِ الصّدرِ خَوفُ الأُفول؛ فكُلُّ مَا هُوَ مُتوَقَّعٌ آت، وكُلُّ مَا هُوَ آتٍ مَقْدرٌ لا مَحالةَ واقِع.

وهُنالِكَ استَيقظتْ عَدسةُ اليَقين، وتجلّتْ حَقيقةُ الدّين؛ فتَحَوَّلَ الإيمانُ بالقضَاءِ إلَى واقِعٍ يُعاشُ بالصَّبْر، وصَارَ التّسليمُ بالقدَرِ اختِباراً يُجتَازُ بدَمْعِ المَحْوِ لا بحِبْرِ السَّطْر؛ إذْ لَيسَتِ العقَائِدُ كَلماتٍ بَاردةً تُلقَى في المَنابِر، ولا حُروفاً جَامدةً تُودَعُ في الكتبِ والدَّفاتر.

إنَّ الفَقْدَ مُنخُلٌ قَاصٍ: يُصفّي رُكَامَ السّنِين، ويُبقي مَا ثَبَتَ باليَقِين. بَينَ مِطْرَقتِهِ وسِنْدانِهِ تَتَشكَّلُ الصِّلات، وَتَحْتَ وَطْأَةِ ضَغْطِهِ تَمْتَحِنُ الصَّداقَات؛ فإِمَّا خُرُوجٌ بأَلْمَاسَةِ صِدْقٍ تُبْهِرُ النَّاظِرين، أَوْ يفتضح بحال تشِينُ ولا تَزِين.. ولا مَنْزِلَةَ بَيْن المَنْزِلَتَيْن.

ثُمَّ تَطهَّرتِ العَدسَةُ مِنْ زَيْفِ الطُّمُوح، وخَلَصَتِ النَّفْسُ مِنْ فُضُولِ الأَمَاني؛ فَمَا عُدْنَا نَرْجُو إلا سَلامَةَ البَال، وحُسْنَ الصِّيتِ في الحَالِ والمَآل. فالحَيَاةُ اليومَ أَقَلُّ خَطَراً وأَعْمَقُ أَثَراً، وَأَشَدُّ وَطْأَةً وَأَكْثَرُ عُزْلَةً.

ومِنْ بَعْدِ رَحِيلِ أَحْمَدَ.. بَدَأْنَا نَتَخيَّرُ الجَلِيس. وُجُوهٌ غَابَتْ عَنِ العَزَاءِ فَبَقِيَ مَكَانُهَا خَالِياً إلَى أَمَدٍ بَعِيد، ووُجُوهٌ حَسِبْنَاهَا مِنْ صَمِيمِ الآلِ فكَانَ المَأْتَمُ لَهَا مِقْيَاساً جَدِيد. فَحُكْمُ المَحَبَّةِ قَاطِعٌ لا مِرَاءَ فِيه: مَنْ لَمْ يَجِدْ لَهُ مَكَاناً فِي رِوَاقِ الأَحْزَان، فَلا مَقْعَدَ لَهُ فِي صَوَانِ الأَفْرَاحِ والليالي الحِسَان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً