و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود


بدا الطريقُ بينَ مكة وجدة طويلاً ومقفراً هذه المرة، وكلما ابتعدنا أكثر أصبح المسارُ أمامنا أكثرَ ظلمة. هكذا فكرت وأنا أغادر منزلنا في رحلة طويلة عبرتُها مراراً وتكراراً، أحزمُ متعلقاتي وأحلامي في حقائب محدودة، وأسمحُ لآمالي أن تظلَّ حرةً تحلقُ في رأسي وتشغلُ هواجسي طيلة الطريق إلى المطار.
سفرتي هذه المرة معهودةٌ وغيرُ معتادة، رغبتُ فيها، واستعددتُ لها، وانتظرتُها طويلاً، لكنها لما أتت بدأتُ أضيقُ بها وأتضايقُ منها.
أقلعت الطائرة وأُطفئت إشارةُ الأحزمة ولا زلت ملتصقة بالنافذة، أراقبُ آخرَ ما تبقى من أضواء الوطن في عيني، كأنها نجومٌ منيرةٌ في مجرةٍ بعيدة تضيءُ لي طريقَ الطموح قبل أن تخفتَ وتختفي. كان أحمد رفيقي في الرحلة، يحب أن يكون آخر من يركب الطائرة، يتجه بكل هدوء نحو المؤخرة التي يغلبُ أن تكون فارغة، وهكذا حصل كلُّ واحد منا على ثلاث مقاعد كاملة لنفسه. كنت مرهقةً ومريضة وحزينة لسبب لا أعلمه، ومرتابةً لشيء لم أعتده. ويا ليت شعري! لقد علمتُ بعد حين طويل أنَّ أحاسيسي كانت صادقة، وقلبي كان مرهفاً وواعياً.
وعلى الرغم من أنها كانت الظهيرة، هبَّت نفحةُ هواءٍ قارصة جمدتِ الدمَ في عروقي عند خروجي من باب المطار. عاتبتُ في نفسي لندن واستقبالها البارد المشابه لها في البرودة. كم كانت لندن محبوبتي ومعذبتي! وبقدر ما لا أودُّ العودة إليها، فإني أعودُ دائماً مثل طير مهاجر يعود لوطنه بلا تأخر حين يأتي الميعاد.
ذهبنا لشقة أختي على أعتاب حديقة كيو، خرجتُ مسرعةً إلى الشرفة أتفقد لندن من الأعلى ومنظرَ الغروب من شقتها في الدور العشرين. أرى المقبرة العريقة في الأفق خلف قرص الشمس المحمر وضوءها الذهبي، هل هي رسالةٌ ضلت طريقها، أو وسواسٌ أفكر فيه وأنا أتذكر الآن.
كان أحمد منشرحاً ومتحمساً للذهاب إلى الهايد بارك حيث يحب، وذهب للمركز التجاري المجاور من فوره. ومن الغد، ركبتُ السيارة وأنا أرتجف بشدة. صحيح أننا في ذروة فصل الشتاء، لكنه هذه المرة كان أكثرَ شدةً وجعل التنقل مهمة شاقة. كان أحمد يقود التسلا التي استأجرها بابتهاج، كان شديد الشغف بالسيارات ذاتية القيادة التي لم تكن موجودة في السعودية وقتها. لكنه وبجهد ذاتي وتعلم شخصي كان قد برمج سيارته على مستوى أعلى من التحكم الآلي، وكانت ابتسامته تزداد عمقاً وسعادةً كلما رفع يديه عن عجلة القيادة وترك السيارة تقود ذاتها. وعليه، كان التسلا خياراً مفضلاً ومطلوباً. انطلقنا عبر شوارع لندن الضيقة والمتعرجة متجهين نحو الشرق حيث سأدرس. كان النهار في بدايته وعم الضباب الخفيف مناظر الحقول المزروعة والخضراء في الأفق، نمر من حين لآخر بقطعان من البقر تجتر طعامها بهدوء وكأن العالم كله لا يعنيها.
وصلنا إلى مقصدنا بعد وأخذنا جولة في المدينة الجديدة، أراني أرجاء الجامعة وأحياء المنطقة. تناولنا الطعام في مطعم كردي في زاوية صغيرة في حي عتيق. كانت الأجواء في السيارة مبتهجةً وعامرة، لكني انزويتُ على نفسي مرهقةً ومضطربة لأسباب علمتها لاحقاً ومتأخراً، أمسك بكلا يدي كوب قهوة سوداء مرة، أحتسيها بمهل وأتأوه برتابة، غير أن جهوده أثمرت في تحسني، وقدرتُ ما قام به، وأضفته لسجل حافل من ذكريات لا تنسى وعون لا ينتهي وبركة لم يُعلم مقدارها إلا بعد فقدانها.
أخذنا في صباح اليوم التالي في تجربة القيادة الذي اعتذرتُ عنه، وجلسنا سوياً نتحدث على وجبة العشاء. كنت قد أعددتُ صياديةً وسمك ماكريل مدخن. وأذكر هذه التفاصيل غير الهامة لأنني الآن أتذكرها، وأخاف أني يوماً أنساها.
ثم ودعناه عائداً إلى الديار. عاد لنا بعدها وعدت لهم وتكررت سفراتنا. يسافر ويعود، وأسافر أنا وأعود، ويعود الودُّ فور عودتنا. وبقدر ما نعيش بعيداً، أثق أنه سيكون قريباً. غير أن العادة لم تدم، وسافر للمرة الأخيرة ولم يعد، وسافرت أنا عائدةً للمنزل الذي نسكنه فلم أجده. وبين عودته وعودتي زمنٌ قريب، لكنه بعيد... بعيد بعدَ الحياة الفانية عن الجنة الباقية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً