وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

يُروى أن ثعلباً كان يقتاتُ على الفتات، وفي صدره طمعٌ يضاهي سعة الغابة، غير أنَّ هيبتهُ كانت أضعف من أن تُنيلهُ مراده. كان يراقبُ من بعيدٍ خلايا النحلِ والقرى المحيطة بها، ويعلمُ أنَّ العقبة الوحيدة أمام سيادته المطلقة هي "الدب الأسود"، ذلك العملاق النبيل الذي يحرسُ بوجوده توازن الغابة.

لم يكن الثعلب قادراً على مواجهة الدب، فقرر أن يواجه "عقله". قام الثعلب بجمع "أدواته"؛ أرنباً مذعوراً، وغراباً جريح الجناح، وسلحفاةً أثقلها المرض. ساقهم سوقاً إلى أطراف الكهف حيث يسكن الدب. وحين استشعر الثعلبُ اقترابَ وقعِ أقدامِ سيدِ الغابِ، وهزيمِ الشجرِ تحت ثقله، أعطى إشارته لبدء "المسرحية".

ارتمى الثعلبُ في الترابِ ينوح، وأجبر الضحايا من حوله على الصراخ والعويل. وقف الدبُّ مذهولاً أمام مشهد البؤس هذا، فسأل عن الخبر. رفع الثعلبُ طرفه باكياً وقال: «يا سيدَ الغابِ، لم نعد نبكي على أنفسنا، بل نبكي عليك! إنَّ هذا النحلَ الغازي لم يكتفِ بامتصاصِ رحيقِ زهرنا، بل بدأ ينسجُ مؤامرةً لاقتلاعِ ملكِك. لقد هاجم هؤلاءِ الضعفاء لأنهم يحبونك، وإذا فنينا نحنُ اليوم، فمن سيشهدُ غداً لعظمتك؟ إنَّ هذا النحل -على صغره- يحملُ سُمّاً مجحفاً، وقد تحالفوا ليجعلوا من الغابة ملكاً لهم وحدهم، فما أنت فاعلٌ بكرامتك التي تُهدر على أعتابهم؟»

دبَّ القلقُ في نفس الدب، فغريزةُ الحمايةِ لديه كانت أقوى من فطنته. سأل بحذر: «وكيف لي بلسعاتهم التي تحرقُ الجلود؟» ابتسم الثعلبُ في سره وأجاب: «دعْ هذا عليَّ؛ فإني علمتُ من أسرارِ الصيادين أنَّ دخانَ خشبِ "السنديان" يُصيبهم بالخدرِ والعمى. سأقفُ خلفك أحملُ العودَ المشتعل، وما عليك إلا أن تهدمَ عروشهم بيدك القوية، لنعيش بعدها في سلام؛ لك السيادة في الأعالي، ولي الصيد في المنخفضات، فلا يزاحمُ أحدنا صاحبه.»

انطلقت "الضحية النبيلة" نحو الخلية، وفي صدره حماسةُ من يظنُّ أنه ينقذُ عالمه. وحين اقترب، أومأ للثعلب ليبدأ التدخين. لكنَّ المفاجأة كانت صاعقة؛ لم يكن النحلُ نحلاً، بل كانت خلايا لدبابير برية مسمومة، تم تحريضها مسبقاً برائحةٍ وضعها الثعلب.

هجمت الدبابيرُ كالسيل الأسود، وأطلق الدبُّ صرخةً مدويةً التفتَ فيها نحو الثعلب يطلبُ الدخان الموعود. هناك، رأى الحقيقة العارية: كان الثعلبُ يقف ببرودٍ خلف الصخرة، و
بدلاً من أن يشعل عود السنديان، قام بغمسه في مياه النهر ليطفئه تماماً، وهو يراقب المشهد بابتسامةٍ صفراء.

سقط الدبُّ، الجبلُ الذي لا يُقهر، صريعاً تحت ضربات الإبر السامة. وفي لحظاته الأخيرة، سمع ضحكات الثعلب وهي تختلطُ مع طنين الدبابير. تحكي الحيواناتُ لاحقاً، أنَّ الثعلب كان قد عقد "حلفاً سرياً" مع الدبابير؛ يُسلمهم جسد الدب ليفرغوا فيه سمومهم ويأمنوا شره، مقابل أن يتركوا للثعلب السيادة على الأراضي المنخفضة والمرتفعات بلا منازع.

أما الرهائن من الأرانب والطيور، فقد وجدوا أنفسهم تحت سيادةِ سيدٍ جديد، لا يملك قوة الدب، لكنه يملك سماً في عقله يفوق سم الدبابير في إبرها. وهكذا، ساد الصمتُ في الغابة، صمتٌ ليس من الأمان، بل من الخوف.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً