وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً
تتخزن الذكريات في عقل المرء مرتبطةً بأحاسيس وحواس؛ فقد ننسى وجوه العابرين، لكننا لا ننسى المشاعر التي تركوها في أرواحنا. قد تضيع ملامح مكانٍ ما في خريطة خيالنا، لكننا ما إن نشتمَّ رائحةً مألوفة حتى تُضاء البقاع المظلمة في ذاكرتنا، وتعود الجغرافيا حيةً كما كانت.
كان أحمد في هذا الميزان شديد الاختلاف؛ فحضوره في ذاكرتي ليس مرتبطاً بمطالب أو "تشرُّط"، بل برضا واسعٍ لا يحده ضيق. لا أذكر عنه يوماً أنه علّق بسلبٍ على صنفٍ وُضع أمامه، أو أبدى تذمراً من نقصِ ملحٍ أو فواتِ جودة.
أذكر حين كنا في بواكير المراهقة، جاع أحمد يوماً، وعلى كثرتنا نحن الأخوات من حوله، لم يطلب من إحدانا أن تكسر خلوتها لتعدَّ له طعاماً. كان يجيء فيسأل عن "المكرونة" وطريقتها، ثم يعود ليسأل عن علامات استوائها، ثم يطلُّ برأسه متسائلاً عن سرِّ صلصتها. كنا نستغرب كثرة أسئلته حتى نلحق به إلى المطبخ، فنراه حائراً في "مصيبته الشهية" يضحك؛ يضع قِدراً صغيراً على النار العالية، وقد اختفت المكرونة في الماء الكثير وطال طهيها حتى تعجنت وتغير قوامها، ويعمُّ المطبخَ بخارٌ كثيف مع رائحة صلصةٍ قد قاربت على الاحتراق، فنشرف عليه حتى يُنهي صنع طبقِه بنفسه، ثم يمضي شاكراً ومبتهجاً كأنه حقق نصراً عظيماً، ويأكل ما أعده بحبور. لم يكن يرى فينا "خادماتٍ" لمطالبه، بل شريكاتٍ في المعرفة.
ولا أذكر -على مَدَى سنوات الحلِّ والترحال- أنه استفتح طلباً بإعداد طعام له. إن أعددتُ أكَلَ وشكر وإن لم يرق له المذاق، وإن غاب الطعام أكل ما تيسر من حواضر الدار؛ تمراً، أو "الإندومي" الذي يحبه، أو قليلاً من الخبز، وينتهي الأمر بـ "الحمد لله" التي تخرج من أعماقه صادقةً وقانعة. لربما كان تعلقه بالإندومي دليلاً واضحاً على الاستغناء والاستقلالية؛ وجبة لا يحتاج معها إلى وقت أو عظيم جهد، ولا يحتاج أن يشقَّ على غيره لإعدادها، ولا على نفسه في تنظيف ما خلفه عند صنعها. أحياناً أراه يكتفي بقليل من التمر مع كوب من اللبن، أو يصنعُ الإندومي في دقائق، فتفوح رائحة توابله الساخنة والبودرة المملحة المميزة؛ كان يأكلها بسرعة، وكأنَّ الهدف هو "سدُّ الجوع" لا إمتاع الحواس.
ولم يكن هذا الأمر في الطعام وحسب، بل في سائر أموره؛ يقوم بكي ثيابه وغسلها، ينظف ما حوله، ويضع الأطباق دائماً في الغسالة الآلية أو ينقلها للمطبخ. تجلَّى هذا الجانب في "رمضان إدنبرة"؛ حيث كان الصيام يمتد لعشرين ساعة مضنية في صيف اسكتلندا البديع. كنا نقتلُ وقتَ الانتظار بالتفنن في صنوف الطعام؛ ندمسُ الفول في "قدرة" على النار، نُعدُّ الشوربة بحبِّ القمح وقطع اللحم، نحشو الملفوف وورق العنب، نفردُ "المنتو" ثم نطهوه على البخار، نلفُّ السمبوسة ونقليها في الزيت الحار، نطهو الكبسة مع الدجاج المُقمر، نسحقُ "الدقوس" مع الفلفل ونُعدُّ السلطة. ثم نضع كل هذا جانباً وأبدأ في إعداد الحلو مع القهوة؛ أضعُ الكيك في الفرن فيعمُّ المنزلَ رائحةٌ حلوة، أطحنُ حبوب القهوة ثم أُعدُّ قهوتي المرة في انتظار ما طال انتظاره: صوت المؤذن.
لما يحين موعد الإفطار القصير واللاهث، نجد أننا أعددنا أكثر مما نطيق. كان أحمد حينها يتبع نظاماً غذائياً صارماً، فكنتُ أعجبُ لشدة تحكمه في رغباته وهدوء نفسه أمام تلك السفرة الممتدة، حتى في ظل ذلك الصيام الخارق للعادة. لم يكن عبداً لشهوته، بل كان سيداً على نفسه. وحين يأكل المسموح من نظامه الغذائي يقول ببساطة: "لذيذ، ما شاء الله". لم يكن يشكو أو يتذمر من الحرمان، بل كان يشكر على ما أُتيح له. أما أنا، فكنتُ في هلعٍ لإدراكي ضيقَ الوقت الذي لا يتسع لطقوس الشاي والمكسرات؛ لأن القهوة مع التحلية قبل الإفطار أفقدتني القدرة على الأكل جيداً، وقد حان وقت السحور.
وفي مكة قبلها بسنوات، كنا نعدُّ سفرة رمضان الطويلة في الأيام الأولى قبل أن ننسحب تدريجياً بفعل التعب، فكان يأكل ويشكر حامداً. وإذا انشغلنا يوماً ولم يجد طعاماً، ذهب وأحضر من فوره الفول والتميس مع السمبوسة واللقيمات وشوربة الشوفان الحمراء -الحد الأدنى من سفرة رمضان- للجميع، بلا سؤال مندهش، أو عتاب لائم، أو نظرة توحي بالتقصير.
وحده "السليق الطائفي" كان هو اللغة التي نتبادل عبرها المودة. يحضره لنا في الولائم حين تباغته أخبار سعيدة؛ يحضرُ صَحفةً كبيرة تفوح منها رائحة "السليق" الحجازي الأصيل، تلك الرائحة التي يختلطُ فيها عبقُ المستكة الذائبة برائحة الحليب الساخن والسمن البري، والبخار الكثيف لا يزال يرقصُ في "الصحفة"، واللحمُ المحمرُ يلمعُ فوق الأرز الأبيض الناعم. رائحةٌ تخبركِ بوجود أحمد قبل أن تراه، رائحةٌ تشعركِ بالدفء والمنزل والاحتواء. وأحياناً نعود للمنزل فنجد "السليق" ينتظرنا على الطاولة، رائحته تملأ المنزل، بينما غادر هو إلى بيته بصمت؛ فنعرفُ أنَّ خلف هذا الطبق "أحمد"، الذي لا ينتظر مديحاً على ما جلب، بل يكفيه أننا أكلنا وسعدنا.
لقد علمني أحمد أنَّ "أدب المائدة" هو جزء من "أدب الحياة"، وأنَّ الشبع الحقيقي هو شبعُ النفس وعفتُها، لا امتلاء المعدة. أذكره الآن كلما جلستُ إلى مائدة، وأفتقدُ تلك الـ "شكراً" التي كانت تجعلُ لكل طعامٍ مذاقاً غير الذي نعرف.
آخر مرة سمعتُ فيها "لذيذ... شكراً" لا أذكر تفاصيلها بالضبط. ربما كانت وجبة عادية، ربما كنتُ مشغولة ولم ألتفت للحظة، ربما قالها وأنا في المطبخ ولم أسمعها بوضوح. لو علمتُ أنها آخر مرة، لكنتُ توقفتُ.. لكنتُ استمعتُ بتركيز، لكنتُ قلتُ له: "أنت من يستحق الشكر، على كل شيء".
لكني لم أعلم، ومضت اللحظة كما تمضي اللحظات العادية. الآن، كلما أعددتُ طعاماً، أصيخ السمع أنتظر أن أسمع الصوت: "لذيذ... شكراً".
لكن الصوت لا يأتي.


تعليقات
إرسال تعليق