وكان معي أحمد(7): لما اختلفت معه

كان أحمد إنساناً.

وكنتُ لا أتفق معه في بعض قناعاته.

لكنني أعود فأنظر اليوم إليها بعين التساؤل والاستيضاح: هل كان هو مصيباً في رأيه، ورأيي مجانبٌ للصواب؟

أظلُّ أتساءل وأسأل... ولا جواب.

أبرز هذه القناعات كان ورعه الشديد وزهده البليغ في الدنيا.

لم يكن يوافق على استلام أي قضية يترافع فيها إذا أحسَّ أن هناك احتمالاً بسيطاً أن يُجانب فيها الصواب موكله، أو أن يُستخدم لإيصال ظلم إلى أحد، حتى لو كان ذلك الظلم -قانونياً. كم ترك من مناصب عالية ووظائف مُجزية خوفاً من أن يُجبَر فيها على فعل ما لا يرتاح له ضميره. شديد القناعة فيما تيسّر له من عمل، لا يطمع في مزيد، ولا يسعى وراء كل فرصة تُعرَض عليه.

كنت أشعر أن هذا الأمر كان يُؤخّره عن أن يعيش حياة يستحقها، أن يُمارس علمه وخبرته ويُفيد بهما أهله ومجتمعه. كان ذكياً، موهوباً، قادراً على أن يكون شريكاً في مكتب مرموق، أن يترافع في قضايا كبرى، أن يُحدث فرقاً حقيقياً. لكنه اختار البساطة، اختار القناعة، اختار أن يبقى في مكانه الهادئ.

أتذكر مرة عُرض عليه منصب في شركة كبيرة، الراتب أضعاف ما يتقاضاه، والمنصب مرموق. فرحنا له حين أخبرنا، ظننا أنه سيقبل. لكنه عاد في اليوم التالي ليُخبرنا بهدوء أنه رفض. حين سألته لماذا، قال ببساطة وهو يبتسم بطريقته المعهودة: فيه شبهة. قد أُجبَر على الترافع في قضايا لا أقتنع بها. لم يُجادل، لم يُطِل في الشرح. قال ذلك وكأنه أبسط قرار في العالم.

أما أنا فلم أفهم. كنت أرى أمامي شاباً في ذروة عطائه يرفض فرصاً قد لا تتكرر، أتراه يُضيّع على نفسه إمكانيات هائلة؟ 

كان رأيه نابعاً من فلسفته عن الحياة والنظرة إليها. كان يرى الدنيا كدار ممرّ لا دار مقرّ. ربحها زائل وزوالها محتوم. كان يقول إن المال لا يُؤخَذ معنا، وإن الأهم هو أن يموت الإنسان مرتاح الضمير، نقي اليد. كان يرى أن البركة ليست في كثرة المال بل في طِيب مصدره، وأن النجاح ليس في علو المنصب بل في راحة البال.

أما أنا فكنت أرى أن على الإنسان أن يُحقق، أن يُنجز، أن يستخدم طاقاته وقدراته قبل فوات الأوان. كنت أخاف من أن تمضي السنوات وأنا لم أفعل شيئاً ، لم أترك أثراً، لم أُحدث فرقاً. كنت أرى الطموح فضيلة، وكان يرى القناعة حكمة.

الآن، وقد رحل في ذروة شبابه ووفرة طموحاته وأحلامه، أتساءل:

أكان يشعر أنه سيموت مبكراً؟

هل كان يُحس، في مكان ما في أعماقه، أن الوقت قصير؟ أنه لا يملك رفاهية السباق نحو المناصب والمال؟ أنه يجب أن يختار السلام الآن، لا لاحقاً؟

أم أنه ببساطة كان أحكم مني ومن كل الطموحين الذين يظنون أن الحياة طويلة، وأن هناك دائماً وقتاً للراحة "لاحقاً"؟

لا أعرف.

لكني أعرف أنه مات مرتاح الضمير. لم يمت وهو يحمل قضية ظالمة على كتفيه، ولم يمت وهو نادم على مال حرام دخل جيبه، ولم يمت وهو قلق على منصب ضائع أو سمعة مهتزة. مات هادئاً، نقياً، بسيطاً.

وأنا، بكل طموحي وسعيي المحموم نحو الإنجاز، هل سأموت هكذا؟

اختار أحمد لنفسه حياة بسيطة ملؤها الهدوء وراحة البال. فرّغ الكثير من وقته لممارسة هوايات متعددة؛ بدءاً من تعلُّم أسرار البرمجة حتى أصبح يُبرمج سيارته لتقود نفسها، إلى هندسة الدوائر الكهربائية، مروراً بأسواق المال والاستثمار وإدارة المشاريع. وكان يُخصص وقتاً طويلاً للاطلاع على أحوال العالم وأغوار السياسة والاكتشافات العلمية الحديثة.

كنت أعجب: كيف يجد الوقت لكل هذا؟

ثم أفهم: لأنه لم يُضيّع وقته في مطاردة المناصب، في الاجتماعات التي لا تنتهي، في سياسات المكاتب الكبرى وألاعيبها وصراعاتها. اختار أن يتعلم لأجل التعلم، لا لأجل الترقية. اختار أن يعيش، لا أن يركض.

أجدني اليوم أُشبهه وأختلف معه في آن واحد.

لكن اختلافنا لم يكن عداءً، ولم يكن لاختلافنا أن يُؤثر على مشاعرنا تجاه بعضنا البعض.

أحببته واحترمته، وكان هو كذلك. داعماً لي حتى فيما لا يوافقني عليه.

لم أُجبره على أن يطمح أكثر، ولم يُجبرني على أن أقنع بـأقل. كل منا سار في طريقه، لكنا ظللنا معاً.

الآن، وقد رحل، أعود لأفكاره بعين مختلفة.

تعلمت أن النجاح ليس واحداً. أن الحياة ليست سباقاً يجب أن نفوز به. أن راحة الضمير ليست رفاهية بل ضرورة. أن القناعة ليست استسلاماً بل اختياراً واعياً. أحمد علّمني درساً لن أنساه: أن الحياة قصيرة، قصيرة جداً. وأن الاختيار الحقيقي ليس بين النجاح والفشل، بل بين السلام والقلق.

اختار هو السلام.

ثم رحل.

ورحل اختلافنا.

وبقي صدق مشاعرنا.

كان معي أحمد.

 وكان مختلفاً عني.

 وكان وجوده كافياً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً