وكان معي أحمد (9) رسالة لن تصل: عزائك يا أحمد
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى أخي العزيز أحمد - تغمده الله برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته -
سلامٌ عليك من أختٍ ثكلتْك فما عرفت للسلوى سبيلاً، وفقدتْك فما ذاقت للحياة طعماً. سلامٌ يحمل شوق القلب وحَيْرة العقل، ودمع العين وحسرة الفؤاد.
أما بعد،
فإني على ثقةٍ - والثقة باب من أبواب اليقين - بأنك عند الله الرحمن الرحيم، الذي وسعتْ رحمته كل شيء. وإني لَعلى يقينٍ - واليقين منزلة الراسخين - بأنك في برزخٍ أوسع من هذه الدنيا الضيقة التي ضاقت بنا حين غادرتها، وفي ضيافة ربٍّ كريم يُكرم النزلاء ويُؤنس الغرباء ويرحم الضعفاء.
والحمد لله - في السراء والضراء - على أمره الذي لا يُرد، وقضائه الذي لا يُصد، وحكمه الذي لا يُعقّب عليه ولا يُحد.
أما بعد،
فإن خبرك قد وصلنا وجعلنا حيارى في أمرنا، مترددون بين تصديقنا و انكارنا ، نقف على شفير هاوية الفقد ولا ندري أنسقط فيها أم نبقى على الحد؟ نسمع الخبر فتتلقاه آذاننا، لكن ترفضه وتأباه قلوبنا. وكأن العقل قد انشطر إلى نصفين: نصفٌ يعلم أنك رحلت، ونصفٌ يُصر على أنك عائد.
وقد سمعتُ الحكماء يقولون: أول الحزن الدهشة، فعلمتُ صدق قولهم ودقة وصفهم. فنحن الآن في دهشة لا تنجلي، وحيرة لا تنقضي، ومصيبة لا تنتهي و حزن سرمدي.
فصلٌ في ذكر عزائك وما جرى فيه
ولما كان يوم العزاء - وما أثقله من يوم - أقمنا لك العزاء في ملحق البيت للنساء و للرجال في الساحة أمام المنزل، ذلك المنزل الذي شهد مجالس أُنسنا واجتماعاتنا، وسمع ضحكاتنا وأحاديثنا. فصار اليوم - بعد أن كان معموراً بوجودك - خراباً موحشاً بغيابك.
وجاء الناس - كما تجيء الأمواج تباعاً - يدخلون علينا واحداً إثر واحد، فيمرون على الصف الطويل من المعزّين، ويُصافحون، ويهمسون بكلمات قد سُمعت في كل عزاء : "عظم الله اجركم "، "غفر لميتكم"، "الله يُصبّركم".
وكانت الكلمات - وإن كانت صادقةً من قائليها - تمر من فوق رؤوسنا كالريح تمر على الصخر: تلمسه ولا تُؤثر فيه. كنا نُومئ برؤوسنا، ونُمسك بأيديهم، ونشكرهم على مواساتهم. غير أنا في عالم غير عالمهم. كانت أجسادنا حاضرة معهم، لكن أرواحنا كانت في مكان بعيد، تطوف في أودية الحيرة وتتخبط في دياجير الفقد.
فصلٌ في ذكر حال أهلك:
أما والدك - رعاه الله وثبّته - فقد وقف في صف العزاء كالطود الأشم الذي أصابه الصدع فلم ينهار. كان في أول الصف، مُطرقاً رأسه، منكسرَ الجفن، خافضَ الطرف، وكأن ثقل السماوات قد هبط على كتفيه المنحنيتين. يُصافح الناس بيدٍ كأنه يبحث في قبضة كل يدٍ عن شيء يُثبّته على هذه الأرض التي صارت تميد من تحته.
وكان صمته - والله - أبلغ من كل نحيب، وأفصح من كل خطيب . فإن الرجال - كما علمنا - لا يبكون أمام الجموع، لكن عيونهم تفضحهم وإن كتموا الدموع . كانت عيناه تسألان الأرض - إن كانت الأرض تُجيب - كيف ابتلعتِ قطعةً من روحي وأنا لا أزال أمشي عليكِ؟ كيف تحملينني وقد دفنتُ فيكِ بعضي؟
وأما والدتك - صبّرها الله وأعانها - فقد كانت صبورةً متجلّدة، ومؤمنة محتسبة، لكن تصبرها كان أشد على القلب من البكاء، وصبرها كان يُمزّق نياط أفندة الأحياء.
جلست بين النساء ومن حضر ، شاحبة الوجه كالقمر في آخر الشهر، محمرّة العينين لكنها لا تذرف الدمع المنهمر - أو لعلها قد ذرفت ما عندها فنضب؟ تُسبح بأصابع مرتجفة، وتقول: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، وكأنها تملأ الفراغ الهائل الذي تركته فيها بالذكر.
وأما شريكة عمرك - عوّضها الله خيراً وجبر كسرها - فقد كانت في أشد حالات الحزن وأمضّها على النفس.
كانت تُمسك بهاتفك - ذلك الجهاز الصغير الذي يحمل آخر كلماتك - فتفتح محادثاتك معها، تقرأ رسائلك الأخيرة واحدةً ، تُمرّر الشاشة إلى الأعلى وإلى الأسفل، كأنها تبحث عن شيء ضاع منها ولم يزل، أو عن كلمة قد تُخبرها أن كل هذا محض كابوس وأنك ستعود و ستظل. ثم كانت تُغلق الشاشة بحركة بطيئة، وكأنها تُغلق باباً تعلم يقيناً أنه لن يُفتح بعد تلك الليلة الكئيبة.
وأما نحن - معشر أخواتك - فقد وقفنا في أركان مختلفة من البيت، كل واحدة منا تُحاول أن تتماسك لأجل الأخرى، لكنا كنا جميعاً ننهار من الداخل انهياراً يظهر ويغيب ولكنه بالداخل مستمر. كنا ننظر إلى بعضنا بعيون باكيات ، نسأل بالنظرات ما لا نستطيع أن نسأله بالكلمات: كيف نعيش بدونك أيامنا القادمات؟
أنت الذي كنتَ - في هذه الأسرة - العمود الذي نستند إليه إذا مال بنا الزمان، والظهر الذي نحتمي به إذا هبّت الرياح، والملاذ الذي نلجأ إليه إذا ضاقت بنا الدنيا. أنت الذي كنت تحل مشاكلنا بحكمتك، وتُجيب على أسئلتنا بعلمك، وتطمئننا بحضورك، وتُضحكنا بلطفك.
بكيناك حتى جفّت المآقي وخشنت الحلوق، وحتى صار الصداع طوقاً من حديد يُطبق على الرؤوس، وكأن أجسادنا نفسها ترفض أن تستوعب أن أحمد - ذلك الاسم الذي طالما ناديناه - لم يعد يُجيب.
فصلٌ في ذكر ما قاله المعزّون وما كان من أمري
ولما جاء المعزّون - وهم كثير - كان كل واحد منهم يقول قولاً، لكنهم كانوا يقولون القول نفسه في نهاية المطاف. كانوا يقولون - بنبرة حفظوها من عزاءات سابقة، وكأنها جملة تُقال في هذا الموقف لا بد منها:
(العوض في البقية)
يقولونها وكأنها مفتاح سحري يرسخ السلوى، أو دواء مُجرّب يُسكّن الألم.
وكنتُ - في كل مرة أسمع فيها هذه الجملة - أُمسك لساني وأُطبق شفتيّ، وأمتنع عن قول آمين.
كيف أقول آمين وهم يتحدثون عن عوض لمكان لا يملؤه غيرك؟ كيف أقبل بك بديلك وأنت كنتَ - في هذه الأسرة - الأصل لا الفرع، والمبتدأ لا الخبر، والفاعل والمفعول والجملة كلها؟
لا عوض لك يا أخي، ولا بديل عنك، ولا شبيه بك.
فصلٌ في ذكر حالي:
ولقد بلغ بي الأمر - والله المستعان - أني صرتُ أحاول أن أكذب على نفسي.
أُغمض عينيّ عمداً - كمن يُغمض عينيه أمام الشمس المُبهرة - وأتخيل أنك في سفر طويل، وأقول لنفسي: ربما سيتصل قريبا، أو اني سأراه في العيد القادم.
وأفعل ذلك - لا لأني جاهلة بالحقيقة - بل لأني لا أستطيع أن أحتمل ثقلها كل ساعة. أفعله لكي أنام ليلاً دون أن تُطاردني الكوابيس المزعجة، ولكي يطيب لي كوب القهوة في الصباح دون أن يمتزج بمرارة الفقد المقعدة ، ولكي أستطيع أن أضحك على نكتة دون أن يخنقني الذنب واللوم ، ولكي أستطيع أن أعيش - ولو ليوم - دون هذا الحِمل الكبير الذي يجثم على الصدر فيكاد يمنع الشهيق و الزفير.
لكني - والحمد لله على كل حال - لا ألبث أن أستيقظ من سُبات الإنكار، فتصحو النفس على مرارة الحقيقة.
يحدث ذلك في لحظة غير متوقعة، وفي وقت لا أنتظره. أكون في منتصف يومي، أكونُ في غَمْرةِ شُغلي، أو قضاءِ حاجتي، أو مُدارسةِ كُتُبي.. ثم تَهجمُ الحقيقةُ هُجومَ السَّبعِ على فريستِه، فيغمرني الألم كما يغمر الموج البحر الغريق، لا يترك له مخرجاً ولا منفذاً. أتحسس وجودك في المكان، أُنصت إلى صوتك في الأرجاء، أبحث عن ظلك في الزوايا، فلا أجد إلا فراغاً بارداً لا يمتلئ، وصمتاً موجعاً لا ينقطع.
ويقيناً جديداً و قاسياً، لا يرحم - يسقط على القلب صلباً:
أن الحياة معك، لم تكن أبداً - ولن تكون أبداً - تشبه الحياة بدونك.
فصلٌ في بيان سبب كتابتي هذه الرسالة:
ولعلك تسأل - إن كان للموتى أن يسألوا - لماذا أكتب إليك وأنا أعلم أنك لن تقرأ؟ لماذا أُرسل رسالة إلى من لا يستقبل الرسائل؟ ولا عنوان لدي ادلو به لساعي البريد ولا سبيل اليك من المريد.
فاعلم - رحمك الله - أني أكتب لأني لا أعرف ماذا أفعل بكل هذا الكلام الذي يتزاحم في صدري ويكاد يخنقني. أكتب لأن الكتابة هي الشيء الذي لا يزال يُبقيني على قيد الحياة، هي الخيطَ الممدودَ الذي يَصِلُ فنائي ببقائك، ويجمعُ بَيْنَ شَتاتي وطَيْفك.
أكتب إليك لأقول لك: نحن هنا، يا أخي، نُحاول.
نُحاول أن نعيش بدونك، فلا ننجح.
نُحاول أن نتقبل رحيلك، فلا نستطيع.
لكنا نُحاول لأنك كنت تُريد لنا أن نكون بخير.
وإلى أن يأتي ذلك اليوم، أنت - بفضل الله ورحمته - في السماوات العليا، ونحن هنا في الأرض السفلى، ننظر إلى السماء ونرجو اللقاء.
كنت معي يا أحمد في هذه الدار الفانية.
والآن أنت في عوالم لا أراها بعيني، لكني أعلم بيقين الإيمان أنها أجمل من كل ما في هذه الدنيا الزائلة.
فإلى أن نلتقي. عند الحوض المورود، في دار لا يُفارق فيها حبيبٌ حبيبه، ولا يُفصل فيها قريبٌ عن قريبه.
حتى نلتقي، يا أخي.
حتى نلتقي.
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
كتبته الثاكلة
فاطمة
تعليقات
إرسال تعليق