وكان معي أحمد (10) دروب السفر و حكايات الرحلات


كنا نرقب الأيام والسنوات بلهفة غامرة، نعد اللحظات التي سيتحول فيها أحمد من "راكب" معنا إلى "قائد" لرحلاتنا. كان الحلم بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في جوهره؛ كنا نبحث عن سبيل آخر لتحقيق مشاويرنا التي لم تكن تحدث إلا نادراً. علم أحمد بحجم ذلك الحماس الطفولي والخطط التي رسمناها لأخينا الأكبر، فكان يواجه سيل طلباتنا بضحكة مراوغة قائلاً: "لن أستخرج رخصة قيادة حتى أتخرج من الثانوية، فأنا أعلم يقيناً أنكن تنوين إتعابي بمشاويركن التي لا تنتهي!".

لكن قلبه -كالعادة- لم يطاوعه في المماطلة. ما إن حان وقت استخراج "التصريح"، حتى بادر بإنهاء إجراءاته. عاد إلينا قبيل الظهيرة، لا أزال أذكر وجهه الذي يشع فخراً و ابتسامته العميقة وهو يحمل تلك البطاقة الصغيرة ويرينا إياها. وبلا جدال، ولا حتى حاجة لدعوة، وفي مشهد احتفالي عفوي، هرعنا لارتداء عباءاتنا وتجهيز أغراضنا، وفي دقائق معدودة، كان المحرك يدور وأحمد خلف المقود، ينطلق بنا بسرعة نحو أولى نزهاتنا الكبرى. 

كانت الوجهة "أطراف مكة"، صعوداً نحو سفح جبل الهدا، حيث يتغير الهواء فجأة ليصبح لطيفاً ومنعشاً.  كانت أختي الكبرى وأمي تعيشان حالة من التوتر الخفي لحداثة عهد أحمد بالقيادة وصغر سنه، أما نحن في الخلف، فكنا في عالم من السعادة الغامرة. لم يستطع أحمد الالتزام بوعيده السابق؛ بل جعل من أول مشوار له احتفالية عائلية صاخبة بالفرح.

في ذلك المنتجع البديع  المقام على رابية الجبل، ركبنا "التليفريك"؛ كانت العربة تصعد بنا وسط الغيوم، معلقة بين السماء والأرض، نرقب من خلال زجاجها الجبال الشاهقة والأودية السحيقة. ولأن أحمد لم يكن يترك فرصة للمرح، فقد استغل خوف البعض من المرتفعات ليتظاهر بالقفز داخل العربة، لتعم صرخات الرعب مع الضحكات.

لم نكتفِ بلك، بل جربنا "التوبجان "المنزلقة على سفوح الجبل. لا أزال اذكر حماستي وأنا أشعر بتلك الإثارة تغمرني، وانا ازيد السرعة في المنحدرات المحنية، بينما الهواء القوي يعبث بحجابي ويحركه في كل اتجاه. ومع غروب الشمس وإغلاق المنتجع، لم تشبع رغبتنا في البقاء، فبادرنا أحمد باقتراح جديد: "في مكان ثاني نروح له؟ وبكل حماسة رحب بالفكرة.

أخذنا أحمد الى مدينة الألعاب المجاورة ، جربنا كل الألعاب حتى نال مني الدوار بسبب "لعبة السفينة". وعندما انتصف الليل، واتصل الوالد ليطمئن على غيابنا، كان أحمد قد اشترى لنا العشاء، وعدنا للمنزل بابتسامات محفورة في القلب، وأجساد منهكة، وعقول لا تزال تقفز من الحماس. كانت تلك الليلة هي بوابتنا لـعالم جديد ؛ عالم السفر بلا قيود الوالدين، وبلا خطط واضحة، سوى البحث عن المتعة بشروطنا نحن.

تكررت الرحلات وصار السفر جزءاً من هويتنا كإخوة. صيفاً، كان "الجمس الكبير" يحملنا نحو الطائف، لنفترش حدائق الهدا، نستنشق النسيم البارد، ونأكل "البليلة" ونلعب الورق، بينما إخوتي الأصغر يملؤون المكان صخباً بلعب الكرة، نهبط مكة في ساعات الليل المتأخرة مرهقي الاجساد سعداء الارواح. الشوارع هادئة و خالية، يرافقنا صوت ابوعبدالملك الشجن يردد: لك صمت ارجو رحمتك.

أما في الشتاء، فكانت "الشعيبة" هي الحكاية الأجمل. نصل و الشمس تتوسط السماء و الأجواء دافئة، فنرتمي في أحضان البحر للسباحة، ونبني القلاع الرملية على الشاطئ. ومع اقتراب المساء، يبدأ أحمد بإشعال الفحم وتجهيز النار، ويبدأ في إعداد الشاي والشواء. عندما يبدأ الغروب، كان الظلام الدامس يزحف نحو الشاطئ غير المضاء، ويثير فينا خوفاً طفولياً، لكن أحمد كان يضحك من خوفنا ويطمئننا بابتسامته المعتادة: " ما في شيء يخوّف"، فكنا نصدقه، لأن وجوده كان بحد ذاته أمان.

ومع تطور رغبتنا في تجارب أكثر ، قادنا أحمد نحو ينبع التي راقت لنا في رحلات متعددة. نركب القارب السريع لوسط البحر حيث نجرب صيد السمك و نرقب الأسماك الملونة تسبح بين المرجان الأحمر. نجلس على الشاطئ نرقب الغروب و نلتقط الصور. وحين يحل وقت العشا نجرب مطعماً محلياً ثم نمضي لقضاء مزيد من الوقت في الحدائق و اللعب و السمر. كانت ينبع مفرطة الجمال في الشتاء؛ حيث الجو الدافئ و البحر الصافي والشوارع النظيفة والطعام اللذيذ. هناك، تبلورت صورة أحمد الذي يجمع بين نقيضين ببراعة: القائد الذي يخطط ويوجه، والخادم الذي يسهر على راحتنا. وسيد القوم خادمهم.

أما الذروة، فكانت رحلتنا الطويلة نحو الجنوب قبل سنوات معدودة. رحلة عبر طرق ملتوية ومسافات شاسعة، حيث قدنا قافلة من سيارات متعددة كان هو رأسها وموجهها. نتوقف في الباحة و النماص ثم أبها حيث سكنا السودة؛ فوق الضباب و تحت الغيوم. في تلك الرحلة، كنا نتوقف لنلتقط الصور التي تُوثّق نضجنا وكبرنا، ونطبخ غداءنا في قلب الغابات التي تسكنها " قبائل" من القرود الفضولية ، ونحتسي الشاي ونلعب الورق تحت رذاذ المطر ولفيف الضباب. كانت أبها هي الميدان الذي أثبت فيه أحمد أن مجهوداته من أجلنا لم تكن مجرد نزهة، بل كانت بناءً لكياننا كإخوة.

عشنا تلك الأوقات تحت ظله ورعايته ومسؤوليته، رحلات لم تكن مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى، بل كانت انتقالاً بنا من طفولة خائفة إلى شباب واثق، لأننا كنا نعلم دائماً أن أحمد كان معنا.

كبرت وتركت المنزل الأحق احلامي وطموحاتي في اراضٍ و مدن بعيدة، ومن حين الى أخر تصلني رسائل على مجموعة العائلة: من يرغب في التخييم على البحر؟ ذاهبون مع أحمد نهاية الاسبوع، من يرغب في زيارة للهدا؟ أحمد سيأخذنا غداً. انظر الى الصور المرفقة و ابلع عبرتي بصمت و اكمل يومي.

رحل سيدنا أحمد. ولم يبقى لنا سوى ذكريات دروب السفر و حكايات الرحلات. 

ربما ستأخذنا الطرق لرحلات أخرى، لكنها ستبقى بدونه ناقصة؛ لأن كمالها بوجوده. 

و نقصه لا يعوض وذهابه لا يعود.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً