وكان معي أحمد (3) نومة هنيئة

أقسمُ حياتي إلى أربع فترات حتى الآن: الطفولة المبكرة التي لا أتذكر منها الكثير، أيام حماستي ومراهقتي والعالم الآمن ما قبل دخول الجامعة، أيام الجامعة وما تلاها من تجارب، ثم أخيراً حين وضعتُ قدمي في أراضي الغربة لأول مرة. وفي كل منها كان معي أحمد. منذ أيام طفولتنا في الرياض، نلعب معاً في الفناء، وأغارُ من صلاحياته التي لا أملكها، كان معي في المدرسة معيناً ومساعداً، ثم كان يوصلني باستمرار ذهاباً وإياباً أيام الثانوية. ولم نزدد إلا تشابهاً لما حذوتُ حذوه ودرستُ معه في ذات الكلية في الجامعة: الدراسات القضائية والأنظمة. ولما بدأتُ أعمل في مهنة سبقني فيها، كان معلماً ومرشداً وموجهاً أقصده حين أحتاجه فيُجيب.

تخرجتُ فعملتُ في دائرة ما، وقضيتُ أياماً بحلوها ومرها، ولما قررتُ أن وقت الرحيل حان، رفعتُ طلباً للاستقالة إلى الموارد البشرية، الذين ما فتئوا يتأخرون في إنهاء الأوراق، ولم تلبث الأيام إلا وغدت أسابيع وأنا أنتظر. كنتُ كغريق في بحر هائج يبحث عن النجاة، لكن بحري كان في عقلي، وطوق النجاة كان يطلب مني أن أتخلى عن كل شيء غير نفسي؛ إما أن أظل في وظيفتي الملائمة ظاهرياً، أو أقفز إلى عمق البحر مؤمنة بربي ونفسي أنني أستطيع، وقد كان. وكان معي أحمد.

غير أن الأمور كانت أصعب مما توقعت، وكعادتي حين تقصر بي حيل نفسي ويخور عزمي أقصدُ أخي الأكبر أحمد، ملجأي الأخير ومنقذي عند الشدائد؛ فتواصلتُ معه وأخبرته أن الأوراق معطلة، وأن قسم الموارد البشرية في مبنى مخصص للذكور فقط (!)، وأن قسم النساء -كما هو الأمر في العادة- لا يخيطُ ولا يفتقُ (تعبير أدق) ولا يعرف غير تلقي الأوامر التي لا يفهمُها أصلاً. ولما كنتُ أعلم بانشغالاته المتكررة وجلساته القضائية ولقاءات عملائه، ظننتُ أن الأمر سيطول، لكني أنختُ رحالي عنده وأسندتُ مهامي إليه ورحتُ في نوم عميق في ذلك الصباح المشمس من صباحات مكة؛ سلوكٌ كانت أيام الوظيفة قد حرمتني منه طويلاً.

لا أذكر -لشدة أسفي- كم مضى من الوقت، يوماً؟ اثنين؟ أسبوعاً؟ أم أنه ربما في نفس اليوم؟ لكني أذكر أني استيقظتُ على صوته في غرفتي: "أوراقك يا فاطمة". يقولها بيد ممدودة فيها ورقة إنهاء العقد ومبلغ مالي، أوضحَ بأنه راجع معهم إجازاتي التي لم أتمتع بها وأخذ مقابلها تعويضاً. أذكرُ أني كنتُ متعجبة من سرعة إنهائه للعمل، سعيدة بالتخلص من الحمل الثقيل، مسرورة بفرج الله حتى أكملَ خطة الإنقاذ.

"أيش ناوية تسوي بعدها؟". كنتُ أعلم أنه لم يكن شديد الاقتناع بقراري، لكنه -كعادته- آمن أن حياتي لي أعيشها كما أرغب، وإن كنتُ أتمنى أنه آمن بأنني من الحكمة بحيث أستطيع تدبر أمري. قلتُ له إني أرغب في التوجه للمحاماة، هزَّ رأسه وقال: "نشوف كيف نلاقي لك محامي يدربك"، ثم خرج. ربما قلتُ شكراً، لكني قطعاً لم أشكره كما شعرتُ حينها، ويا حسرة الندامة على شكر لم يُقَل في وقته حتى مضى مستحقه إلى خالقه.

عُدتُ بعدها لنومة أتذكرها بكل وضوح رغم مرور السنوات؛ شعور بالطمأنينة وبأن كل شيء سيكون على ما يرام، أن لدي أسرة داعمة وإخوة محبون، وأنني سأنجح في خطتي وسأنقذ نفسي، وأن الغد سيكون أجمل، وسأكون أنا أسعد، وقد كان وسيكون.

أرثي لنفسي أنه لم يعد قمراً مضيئاً في حياتي، أرثي لنفسي أنه لن يساعدني مرة أخرى، وأنني لن أشعر بذات الشعور الآمن مجدداً. ويا لها من حياة قاسية ترمي بشباكها علي وتجرني إليها، وكيف السبيل إلى الأمان بدونه، وأين الطريقٍ للعون سواه؟ أستسلمُ أخيراً لأمواج البحر الهائج وأتوقفُ عن المحاولة وأغرقُ بهدوء وأنا أردد: لم يعد معي أحمد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً