وكان معي أحمد (4) : خالية الوفاض في الرياض
هنا الرياض. أخيراً وليس آخراً. هنا ولدتُّ أنا وأحمد وعددٌ من أخواتي. كنتُ آخر من يخرج من الطائرة، أُمسكُ بيدي عدداً من المناديل التي مسحتُ بها دموعي وكتمتُ بها آهاتي المتكررة. مكسورةٌ بحجم الدنيا لأنني عدتُ للرياض خالية الوفاض. أخرجُ من بوابة الواصلين لأجد السائق يحمل لوحةً فيها اسمي، ويرتدي وشاحاً أزرق كُتب عليه: "مؤتمر الفلسفة". أتبعه للسيارة السوداء الفاخرة التي كُتب عليها الاسم نفسه. زيارةٌ مميزة للرياض هذه المرة على خلاف العادة؛ وحيدةٌ إلا من هواجس ووساوس وأحزانٍ عظيمة.
أعرفُ طرق الرياض التي ألفتُها مراراً وتكراراً، وتذكرني الرياض بأخي الراحل لا محالة. في المرات العديدة التي اصطحبنا فيها للرياض، كان من عادته أن يخبرنا عن سفراته المتعددة، وإذا كان لأحدنا مصلحةٌ في السفر سافرتُ معه. محظوظاتٌ نحن بزوجته الوفية التي كانت ترحب بنا، فنذهب سوياً للاستمتاع في رحلاتنا بزيارة المقاهي والأسواق؛ تلك التي لم يكن أحمد يحبها.
كنتُ حديثة الاستقالة كما أذكر، وذهبتُ معه لتسجيل أوراقي في إدارة المحاماة بوزارة العدل في الرياض. نزلنا فندقاً فاخراً كنتُ شديدة الانبهار به؛ أول فندقٍ بهذا المستوى أقطنه. المكانُ هو المكان، ولكنَّ الزمان حال بيننا. نقتربُ من وسط الرياض، تلوحُ "الفيصلية" في الأفق، وتبدو "المملكة" شاهقةً أكثر مما أتذكر. نمرُّ بذات الفندق، أراهُ فيه لكني لا أراه، ولا سبيل.
فُتح باب السيارة فنزلتُ، دلفتُ إلى البهو الرخامي الذي تتوسطه باقةٌ عملاقة من الورد الأحمر، واستقبلتني رائحةُ العود الفاخر ممزوجةً بعبير الورد. رحبت بي موظفةٌ ترتدي عباءةً سوداء مطرزةً بالذهب ووشاحاً أزرق، تبتسم ابتسامةً احترافية: "أهلاً وسهلاً دكتورة فاطمة، نتشرف باستضافتكِ". أصعدُ للغرفة في المصعد الزجاجي، أرى الرياض تصغر تحتي؛ الأبراج المضيئة، والشوارع المزدحمة.. كلُّ هذا الاتساع، وأنا أضيقُ بنفسي.
كنتُ أشعر أنني مُسيَّرةٌ لا مُخيَّرة، فهل خيرتني الحياة فيما قامت به؟ لبثتُ وهلةً ثم نزلتُ مستعدةً لأول أيام المؤتمر. كانت التجربة مختلفةً هذه المرة؛ أُلاقى بالترحاب وأجلسُ في بهو الضيوف المهمين. أنظرُ للعالم من خلال تجربةٍ شعورية غريبة؛ كأنني خارج العالم وداخل نفسي، منطويةٌ على ذاتي وإن كنتُ أبدو منفتحةً على الآخرين. حزينةٌ وسعيدة، مستاءةٌ وفخورة ومحتارة؛ كلُّ شعورٍ يداهمني في آنٍ واحد فلا أزدادُ إلا غربة، ولا أجدُ شيئاً من السلوى.
أستمعُ للجلسات والمتحدثين وهم ينقشون الفلسفة التي كانت من صميم اهتمام أحمد واختياره الفكري. أسمعُ آراءهم وأتخيلُ رد أحمد عليها، أسترجعُ نقاشاتنا حولها. كان من عادته أن يشارك رأيه ثم ينظر إلى أمي مبتسماً، يستطلعُ رأيها ورضاها الذي كان جلَّ همه وأسمى غاياته، وإذا لم تكن موجودة فإنه ينظر إليَّ مبتسماً وأنا أتحدث، وعقله يفكر في الرد سريعاً. وهكذا كنتُ؛ أجلسُ معهم ولستُ معهم، أسمعُ أسئلتهم وأتخيلُ إجاباته.. حين كان معي أحمد.
في اليوم الأخير، حان دوري. أسمعُ اسمي يُعلن عبر المذياع ويُعرض على الشاشة؛ أصعدُ الدرجاتِ إلى المنصة. ثلاثُ درجاتٍ فقط، لكنها بدت كأنني أتسلقُ جبلاً. أقفُ خلف المنصة، أنظرُ إلى الجمهور الذين يرمقونني بنظرات الانتظار.
أمسكتُ بطرف المنصة لتثبيت نفسي. أتذكرُ آخر مرة وقفتُ فيها أمام جمعٍ من الناس؛ كان ذلك في المحكمة الإدارية. كانت القاعة غاصةً بالرجال، وكنتُ أرتجفُ يومها في داخلي لكني وقفتُ كمحامية وترافعتُ، بضربٍ آخر من الخوف. اتصلتُ بأحمد مساءً وأنا قلقة: "أشعرُ أنني لم أستطع التعبير عن أفكاري بوضوح". ابتسم قائلاً: "الذي قلتِهِ يكفي، دائماً يكفي، والمرات القادمة أفضل".
المرة القادمة.. ها هي ذا، لكنه ليس هنا ليراها.
بدأتُ الحديث. قرأتُ من الورقة أمامي الجمل الأولى، ثم انطلقتُ أتحدثُ من ذاكرتي بفيضٍ غامر. وفي لحظةٍ ما، نسيتُ أنني أتحدث، نسيتُ الجمهور.. أكنتُ أتحدثُ لأحمد؟ كأنني أشرحُ له فكرتي في إحدى جلساتنا الطويلة. أسمعُ صوته في رأسي يقاطعني: "لكن ألا ترين أن هذا تبسيط؟" فأردُّ عليه، بصوتٍ عالٍ أمام الجمهور دون أن أدري: "لا، ليس تبسيطاً، بل هو جوهر المشكلة".
أفقتُ على دويِّ التصفيق. انتهيتُ. نزلتُ من المنصة. يقتربُ مني أحدهم: "ممتاز، خاصةً حين أجبتِ على ذلك الاعتراض الافتراضي، كان ذكياً". أبتسم.. لم يكن افتراضياً،
كان معي أحمد.
بدت الرياض وادعةً وجميلة في ذلك المساء. خرجتُ أتمشى في الشارع المزدحم الذي تتوزع المقاهي على أطرافه. أركبُ "المترو" وألصقُ وجهي بالنافذة وأنا أتأمل الرياض التي أعرفها ولا أعرفها؛ هل كان أحمد ليحب الثوب الجديد لمسقط رأسه؟ أعودُ للفندق مرهقةً ومُستنزَفَةً، أتذكرُ أنني لم آكل شيئاً منذ الصباح. أفتحُ باب الجناح لأجد باقة ورد وهدية رقيقة أقرأ البطاقة: فخورة بك - [الاسم].
أبتسمُ. لم تحضر هي بنفسها، لكنها حضرت بهذه اللفتة. حضرت في الوردة التي اختارتها، في الكلمات التي كتبتها، في الفكرة التي خطرت لها أن ترسل لي شيئاً يُسعدني.
أُمسك البطاقة وأفكر: ربما هكذا يحضر الغائبون أيضًا. لا بأجسادهم، بل بأثرهم. في كلمة علّموها لنا فنرددها، في عادة ورّثونا إياها فنُحييها، في ابتسامة نبتسمها لأنهم علّمونا أن نبتسم. أنام تلك الليلة أقل حزنًا مما كنت
في الصباح التالي، أجدُ نفسي في مطار الرياض. الأصواتُ نفسها، الزحامُ نفسه، رائحةُ القهوة العربية تنبعثُ من المقاهي. كم مرة سافرتُ معه من هنا؟ لا أعلم. لكني بالقطع أتذكرُ رحلات السيارة الطويلة من وإلى الرياض، حيث يحبُّ الاستماع لـ "العفاسي" الذي يرافقنا الطريق. أركبُ الطائرة وأختارُ مقعداً في الخلف حيث لا أجدُ جليساً جواري. هنا سأبكي حيث لا ينتبه لي أحد. يخالجني شعورٌ أن هذا الطقس سيكون متكرراً، ليصبح السفر مكاناً للحزن واجترار الذكريات. أو ربما، في كل مرة أصعد فيها منصةً وأتحدث، سيكون أحمد هناك؛ في الاعتراض الذي أردُّ عليه، في الفكرة التي أدافع عنها، وفي الابتسامة التي أحملها رغم كل شيء.

تعليقات
إرسال تعليق