وكان معي أحمد (5) موسم السفر الى تبوك
أربعة عشر ساعة من القيادة. هذه هي المسافة التي تفصل مكة عن تبوك.
حين أخبرتُ أحمد أنني أريد السفر لتبوك - تبوك! - للحصول على رخصة قيادة، توقعتُ أن يسألني: "لماذا لا تنتظرين دورك في مكة؟" أو "هل أنتِ جادة؟" لكنه قال فقط: "متى تريدين السفر؟"
كان ذلك في 2021. كنا للتو عائدين من اسكتلندا، وأحداث كوفيد-19 لا تزال حية. كنتُ أسكن في الملحق العلوي من المنزل بجوار السطح لأتفرغ للماجستير الذي كان بظروف شديدة الغرابة. ولما كنتُ حينها أقود السيارات المتوفرة في المنزل بدون رخصة سارية، رغبتُ أن أحصل على واحدة.
أتذكر المرة الأولى التي علّمني فيها أحمد القيادة، بعد صدور قرار منح الرخص للنساء. أصرَّ أن نتعلم على سيارة ذات غيار يدوي. "لماذا؟ الأوتوماتيك أسهل!" احتججتُ. "إذا تعلمتِ على اليدوي، ستقودين أي شيء. ثقي بي." لم أثق به - على الأقل ليس في تلك اللحظة. جلستُ خلف المقود، يدي اليمنى على "القير"، قدمي اليسرى على "الكلتش". أحاول نقل الغيار من "نيوترال" إلى رقم 1. السيارة تهتز، تصدر صوتاً مزعجاً، ثم تتوقف. "الكلتش! نسيتِ الكلتش!" يضحك أحمد. مرة، مرتين، ثلاث، أربع - في كل مرة أنسى. وفي كل مرة يضحك بنفس الطريقة، دون ضجر أو ملل. "المرة الجاية راح تتذكري." كان مخطئاً. احتجتُ عشر مرات.
في نهاية الأمر تعلمتُ بالتجربة والمخاطرة؛ ولما كنتُ أستيقظ فجراً لشرب القهوة في حديقتي التي زعتها في السطح، أراقب شروق الشمس وأروي الورد وأشذب البامية والملوخية. ثم آخذ السيارة وأتوجه لشراء فطور مختلف في كل مرة. ولما رغبت في توسيع خيارات التسوق والمطاعم خارج نطاق الحي، وجب عليَّ استخراج رخصة. كانت مدرسة القيادة في مكة مزدحمة بجدول انتظار يمتد أشهرًا طويلة، ثم سمعتُ أن تبوك فتحت مدرسة ولديها حجوزات قريبة؛ هرعتُ لإخبار أحمد بحاجتي لسفرة عاجلة لتبوك تمتد أكثر من أسبوع، وكعادته هرع للمساعدة وقد كان.
انطلقنا نعبُّ الأرض عباً ونحثُّ السير حثاً. لم أنسَ أنا ولا أختي أن نصحب معنا أغطية ووسائد لنتدثر بها. كنا نعبُّ الأرض عباً، والليلُ ينسجُ حولنا وشاحاً من الصمت. كنتُ أراقبُ الهلال المنعكس على ماء البحر، والنجومَ تبدو كاللؤلؤ المنثور فوق سقفنا البانورامي، فغدونا كأننا نسيرُ في السماء لا على الأرض. دخلنا في نوم هادئ، واثقتان أننا بأيدٍ أمينة وقلوب مطمئنة. في مكان ما في اللاوعي، أفكر: هذا ما يعنيه أن يكون لك أخ كبير.
نصل لتبوك التي بدت أجمل مما توقعت؛ مخططة ومشجرة، وكانت أجواؤها بديعة. أما مدرسة القيادة فكانت مرتبةً وفسيحة. اجتزتُ وأختي الاختبار وتبقى لنا التدرب أسبوعاً، كان التدريب ساعتين يومياً، نقضي بقية الأيام في الشقة حيث كنتُ أستكمل دراستي ثم نخرج للتنزه. قصدنا "حقل" ذات يوم؛ وكان الطريقُ إليها فصلاً من فصول الدهشة؛ رمالٌ ذهبيةٌ بكر، تحرسُها جبالٌ شاهقة نحتتها الرياحُ كقلاعٍ أثرية وأشكالٍ هندسية تُعجزُ ريشة الفنان. واحاتٌ خضراء تطلُّ من بين الصخور، ونخلٌ باسقٌ يرتفعُ بشموخٍ ليغازلَ السماء الزرقاء الصافية. كانت شواطئ حقل مبهرة، المياه صافية والرمال نظيفة، وعجبتُ للنخل الذي ينمو من ماء البحر المالح كم كان مرتفعاً؛ أخذنا أحمدُ إلى أبعد نقطةٍ حدودية، حيث يقفُ المكانُ شاهداً على التقاء المسافات؛ هناك، في مرمى العين، كانت شواطئ مصر والأردن وفلسطين تتلاقى على الساحل في موقفٍ مهيبٍ, كم نحن صغار في هذا العالم الممتد و الشاسع.
في تبوك، كنتُ أخرج صباحاً للإفطار كالعادة، كان أحمد يصرُّ أن نأخذ سيارته ونقود بها؛ كانت قيادة سيارته باهظة الثمن أمراً مثيراً للقلق، لكنه كان شديد الثقة بنا، ربما أكثر منا بأنفسنا. أخيراً حصلتُ وأختي على الرخص المطلوبة، وانطلقنا نجاور الساحل عائدين إلى ديارنا؛ حاول إقناعي أن أقود قليلاً، لكني جفلتُ بعد وقت قصير، كانت القيادة بسرعة 140 كلم في ليل دامس أكثر مما أستطيع وأقل من تسمح به شجاعتي. مرة أخرى كان عظيم الثقة بي أكثر من نفسي، لكنني فضلتُ أن أعود لمقعدي الوثير في الخلف لآخذ قيلولة.
لكني لم أعلم أنه بعد سنوات سأقود معه خط الساحل نفسه من الجهة الأخرى، ينام هو في مقعد السائق وأنا أطوي الأرض بأقصى سرعة ممكنة، لربما أن الأيام دارت، لكنها ذهبت. كنتُ التلميذةَ وغدوتُ القائدة، وكان الحارسَ وغدا المُستريح. وبقي طريق الساحل يشهد على الأيام.
توقفنا لأداء الصلاة واشترينا قهوة من كشك في محطة عامرة، وضعتُ بعض الأناشيد التي تذكرنا بالطفولة وبدأتُ اغني معهم وتبعني أحمد سريعاً، نغني كأطفال نلعب في فناء المنزل وفي غرفة النوم ونحن صغار، نغني كننا لم نع تلك الحياة الجدية ولم ترهقنا الحياة بقسوتها، ولعلنا نغني لأن الحياة لم تقسو علينا حينها و تأخذه منا ، و أنا أغني لأنه ان معي أحمد.
في كل مرة اقود سيارتي، اذكره في سري و اشكره، واذكره الان و ادعو له ، رفقني و اختي في رحلة لتبوك للحصول على الرخصة, ثم رفق اختاي في مرة أخرى لمدينة أخرى لذات السبب، ثم زوجته في رحلة ثالثة، ثم درب اخواني البقية، وكنا ولا زلنا نعيش على فضله وعظيم عطاءه.
ومن عظيم شجني أن تطبيق "سناب شات" أرسل لي إشعاراً بذكرى قديمة في ذروة أيام عزائه، وكأن الذكرى تأبى إلا أن تحضر حين عزَّ اللقاء. فتحتها، فوجدتُ مقطعاً يوثق طريقنا؛ كنتُ أنا وأختي في الخلف متدثرتين في سباتٍ عميق، وزوجته بجواره غارقة في نومها، وبقي هو وحده يطوي الفيافي، يقود وينشد في حلكة الليل الدامس، ساهراً لننام، ومستيقظاً لنأمن.

تعليقات
إرسال تعليق