و كان معي أحمد (1) حديث الجبل


الوقت يسير ببطء أكثر مما أريد. أحاول ألا أفكر في أنني ذاهبة إلى عمل بعيد عن أهلي، وأنني قبل ساعات قليلة تركت غرفتي وسريري الدافئ، وآخر كتاب كنت أقرأه لا يزال تحت المخدة. تطوي "معيّنة" الأرض طيًّا في ساعات الفجر الأولى، تسير على امتداد الساحل الغارق في عتمة الليل. 

أجلس أنا في مقعد الراكب، على غير عادتي، بينما يقود أحمد "معيّنة" التي تضيء الطريق الفارغ أمامنا بضوئها الأبيض الهادئ. كنا نتجاذب أطراف الحديث بعد أن انتهى بودكاست ليكس فريدمان مع روبرت كينيدي الابن عن اللقاحات، وتأثير الحكومات على مصائرنا، والعلم الحديث، والمختبرات التجارية. حديث كنا قد خضناه من قبل حين فُرضت اللقاحات في أوج الجائحة. كان من طبعه ألا يأخذ المعلومة جاهزة، بل يغوص فيها بنفسه حتى يقتنع أو يرفض.

 ثم ما لبثت السماء أن بدأت تُرسل خيوط فجرها الأولى، فانعكس ضوءها الوردي على سطح البحر، وصار الكون حولنا بنفسجيًا رقيقًا. توقفنا لصلاة الفجر في آخر محطة تهامية قبل أن نبدأ صعود جبال السروات ، كان الهواء رطباً و مشبعاً برائحة البحر وملوحة الأمواج.

 وهناك، على سفح الجبل الشامخ عالياً، دار بيننا حوار لم أنسَ كلمة منه، أسترجعه الآن بعد رحيله فيشعرني بالعزاء تارة، وبالألم تارة، وبمرارة الذكريات تارة أخرى. أذكر ذاك النقاش بوضوح كما أذكر السماء تلك اللحظة فوق أبها، يلهمني كما تلهمني المدينة الساكنة فوق الضباب، ويؤلمني كما يؤلمني بردها في الشتاء، لكنه كان جميلاً كصيفها، وأشجارها، ووردِها.

 قال بهدوء وهو ينظر إلى الطريق المتعرج: «الاختيار الذي نشعر به في الدنيا ليس إلا حتميات مكتوبة من قبل. ومع ذلك فنحن أحرار تمامًا... لكننا دائمًا نختار ما هو مكتوب». توقف عند منحنى خطير، أدار وجهه نحوي وقال كأنه يروي حكاية لطفلة صغيرة: «اسمعي يا فاطمة، تخيّلي أنكِ دخلتِ مطعمًا وأنتِ جائعة جدًّا. فتحتِ المنيو بحرية تامة، قرأتِ كل الأصناف، وفي النهاية اخترتِ الكبسة باللحم. شعرتِ أنكِ حرة تمامًا، أليس كذلك؟ لكن ماذا لو كان في مطبخ المطعم طبق واحد فقط منذ الصباح: كبسة باللحم؟ هل يعني ذلك أن اختياركِ كذبة؟ لا... اخترتِ بحرية، ومع ذلك صادف أن ما اخترتِه هو الشيء الوحيد الموجود أصلاً».

 سكت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لا تُنسى: «هكذا نحن في الحياة. نختار بحرية مطلقة: أن نسافر، أن نغامر، أن نصلي الفجر في محطة مهجورة، أن نضحك أو نبكي... لكن في مكان ما، في صفحة لم نقلبها بعد، كُتب أننا سنختار هذا بالضبط. لا تعارض. الحرية والقدر يسيران جنبًا إلى جنب، مثلنا الآن: أنا أقود، وأنتِ تثقين بي، والطريق مرسوم منذ الأزل».

 نظرتُ إليه وقد ارتفع حاجبي: «لكن إذا كان كل شيء مكتوبًا، فلماذا نشعر بالمسؤولية؟ لماذا نُلام على اختيار سيء؟» أجاب فورًا، كأن السؤال كان ينتظره منذ سنوات: «لأننا لا نعرف ما هو مكتوب ونحن نختار! الجهل هو سر طعم الحرية. لو علمتِ أن الكبسة هي الطبق الوحيد، لما شعرتِ بحرية. لكنكِ لا تعرفين، فتختارين بقلبك كله، فتصبحين حرة حقًّا... حتى لو كانت النتيجة واحدة».

 ثم همس ونحن نصعد المنعطفات الدائرية: «بعض العلماء اليوم يسمون هذا نظرية المحاكاة المبرمجة , وكأننا نعيش في خوارزمية معدة سابقاً  وعلماؤنا المسلمون سمّوه القضاء و القدر. الاسم مختلف، لكن الدهشة واحدة: نحن نعيش القصة وكأننا نكتبها، بينما هي مكتوبة منذ الأزل... والجميل أننا لا ندري، فنظل نشعر أننا أبطالها».

 كان النقاش عميقًا وهادئًا على غير عادتنا. كان متحمسًا لإقناعي، وكلما ارتفعنا في الجبال الحجرية كلما ازدادت فكرته عمقًا، وكأن الارتفاع نفسه يرفع الأفكار. ثم قطع حديثنا وصولنا إلى أبها عندما فتحتُ النافذة ليتسلل النسيم البارد منعشًا، يجدد فينا الهواء والأفكار معًا. 

ومرت الأيام......


 جلستُ بعدها أفكر كثيرًا في تلك الفكرة، في أمسيات مكة مع العائلة، في ليالي نوريتش الممطرة الباردة، في صباحات لندن لما علمت بخبر اختفائه، وفي الطائرة التي أقلتني إلى عزائه.

 اختار هو ما كُتب له. 
 كان عمره مقررًا سلفًا ألا يتجاوز الخامسة والثلاثين. 
أن نبكيه دهراً ولا نحيط به خبراً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً