و كان معي أحمد : المقدمة

كنتُ أنشأتُ هذه المدونة قبل أشهر، خططتُ أن أنشر فيها قصاصات من رحلة الدكتوراه الخانقة، علّي لا أفقد فيها ما تبقى لديَّ من مواهب وهوايات ضاعت وسط الطريق وتاهت في دروب الرحلة.

لكن الحياة فاجأتني بمصاب عظيم وابتلتني بفجيعة كبرى، ولم يخطر لي ببال أن أحمد الذي بدأ هذه الرحلة معي قد يتركني وسط الطريق متلوعة، وأن عليَّ أُكمل الرحلة التي بدأناها سويًا بدونه. فعَظُمَ في عيني الألم وكَبُرَ في قلبي الابتلاء، وتغيّر معنى الرحلة كلها.

ثلاثة وثلاثون عامًا وسبعة أشهر واثنان وعشرون يومًا عاشها. ودقيقة واحدة كانت كفيلة بأن يغادرنا غير منقوص العمر، وإنما هو كتابٌ جفّت أقلامه ثم رُفع.

لا أمتلك لأخي صورًا كثيرة ولا مقاطع مُتلفزة، فاشتدَّ خوفي أن أفقد ذكرياتي معه كما فقدته، أن يطلع عليَّ صباحٌ لا أتذكره فيه بوضوح. الخوف من النسيان هو أقسى أنواع الفقد؛ أن تفقد الإنسان مرة، ثم تفقد ذكراه مرة أخرى. أن تنسى نبرة صوته، أن تتلاشى ذكراه، أن يأتي يوم لا تتذكر فيه كيف كان يُسكِتُ العالم بصمته.

فأمسكتُ بالكلمات، لأنني لا أملك غيرها.

قررتُ أن أكتب له أربعة وثلاثين نصًا، واحدًا عن كل عام من عمره. أكتب هنا لا رثاءً له وتبيانًا لمكانته فحسب، بل لحفظ ذكراه فتعيش أطول من سنيّ عمره القصيرة. أكتب لأنني ببساطة لا أعرف كيف أودّع من لم أتعلم الحياة بدونه.

لكل نص منها "منزلة" محددة، لأن لعلاقة مع من نحب هي رحلة روحية في منازل لا تنتهي. كنا نصعد هذه المنازل معًا دون أن ندري أن إحداها ستكون الأخيرة. كل واحدة تحكي موقفًا مختلفًا بلا أي ترتيب مقصود، إنما هي ذاكرة أضناها الوجع وأعياها الفقد فرضيتُ منها أن تمدني بما جاد منها. لن تجد هنا ترتيبًا زمنيًا، فالذاكرة لا تعمل هكذا. الذاكرة المفجوعة تعمل بالومضات؛ رائحة تستدعي مشهدًا، كلمة تفتح بابًا موصدًا، طريق تعبره فتجد نفسك في زمن آخر. سأكتب كما تأتي الذكريات: متشظية، مضيئة، مؤلمة، جميلة.

أكتبها بمداد من قلبي ودمع من عيني وضحكة من شفتي. فهي لم تُكتب على طراز واحد، ولا يربط بينها شيء غير أنها جميعًا لما كان معي أحمد.

ليست هذه سيرة ذاتية بالمعنى المتعارف عليه، ولا هي رثاء تقليدي يُقال ثم يُطوى. هي محاولة للإمساك بما يتفلت، لحفظ ما يتبدد، لتخليد من لا يُخلّد إلا بالكلمات. بعض النصوص ستكون طويلة، وبعضها قصيرًا كالنفَس الأخير. بعضها سيُضحكك، وأكثرها سيُبكيك، وكلها ستُريك أن الفقد ليس حدثًا واحدًا يحصل ثم ينتهي، بل هو سلسلة لا تنتهي من الأحداث الصغيرة التي تُذكّرك أن من تحب لم يعد هنا.

لن تجد في هذه النصوص بطولات خارقة أو مواقف درامية مفتعلة. ستجد أحمد كما كان: إنسانًا. ستجده في التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع حياتنا

هذه المنازل ليست للعزاء فحسب، بل للذكرى. و للحفظ. ليست لأنني تجاوزتُ الألم، بل لأن الألم هو كل ما تبقى لي منه.

لستُ أدّعي أنني كاتبة محترفة، ولا أن هذه النصوص ستُغيّر العالم. لكنها ستُبقي أحمد حيًا بطريقة ما، في ذاكرة من سيقرأها، في قلب من سيتعرف على نفسه فيها.

إن كنتَ قد فقدتَ أحدًا تحبه، فهذه المنازل لك أيضًا. وإن كنتَ لم تفقد بعد، فاقرأ لتعرف كيف يبدو الفقد من الداخل. وإن كنتَ تقرأ فقط لأنك تحب الأدب، فاعلم أن أصدق الأدب يُكتَب بدموع لا بحبر.

اقرأ إن شئت، أو لا تقرأ. أحمد لن يعرف في كلتا الحالتين.

لكني سأكتب على كل حال. لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة التي أعرفها لأقول:

كان معي أحمد. وكان كافيًا.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً