وكان معي أحمد (12) رثاء لا ينتهي ولن يكفي
كانت الأيام والليالي الأولى ألماً لا يصدق ولا يوصف، وحيرة لا تنتهي. نبكي ونضحك، نغني ونبكي.. نحاول التعامل مع الواقع الذي نرفضه. وهل يمكن لإنسان أن يتعامل مع خبر الفقد بشكل صحيح؟
وجدت سلوتي في أبيات أبي الحسن التهامي في قصيدته الموسومة بـ: "حكم المنية في البرية جاري". أردد أبياتها في كل حين، وأسمعها قبل منامي وبعد استيقاظي، أضعها في مذياع السيارة وانا اقود في زحام المدينة و اضعها في سماعاتي وانا اتسوق و ارفع صوت التلفاز بها عالياً في غرفتي ؛ وجدت فيها تعزية صادقة، ولغة جميلة، ومعاني سامية، وحكماً خالدة.
تعطيني اللغة فرصة لمعالجة مشاعري، يتحدث الشعراء بلساني فيما عجز عنه بناني ويصفون ما أشعر به وما أواجهه، تخفف عني كثيراً حقيقة ان الآخرين شعروا بما أشعر به.
طبيعة الحياة: دار ممر لا مقر
خير ابتداء للابيات هو تقرير الشاعر طبيعة الحياة ذاتها؛ كلنا راحلون عن هذه الحياة وإن اختلفت تواريخ رحيلنا. نسمع أخبار رحيل غيرنا، ويوماً ما سيُسمع خبر رحيلنا. هي دار ممر لا دار مقر، وكل من عليها فان من حيوان أو إنسان ويبقى وجه الله.
حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري ... ما هَذِهِ الدُنيا بِدارِ قَرارِ بَينا
يَرى الإِنسانُ فيها مُخبِراً ... حَتّى يُرى خَبَراً مِنَ الأَخبارِ
الحياة طُبعت على كدر
تعزية أخرى عميقة ومطمئنة لقلب وجل ومفزوع؛ لن تستطيع تغيير طبيعة الحياة وتطلب المستحيل من سلامة أهلك وبقاء محبيك حولك.
طُبِعَت عَلى كَدَرٍ وَأَنتَ تُريدُها ... صَفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ
وَمُكَلِّفُ الأَيّامِ ضِدَّ طِباعِها ... مُتَّطَلِبٌ في الماءِ جَذوَةَ نارِ
وَإِذا رَجَوتَ المُستَحيلَ فَإِنَّما ... تَبني الرَجاءَ عَلى شَفيرٍ هارِ
نصيحة في وقتها: اغتنام الشباب
نصيحة صادقة في مكانها المناسب بعد إدراك طبيعة الحياة؛ ها أنت قد أدركت أنها زائلة وفانية فما أنت فاعل؟ وليس هناك من جواب سوى أن تعمل على أن تستفيد من وقتك وتحسن عملك وترضى بوضعك.
فَالعَيشُ نَومٌ وَالمَنِيَّةُ يَقِظَةٌ ... وَالمَرءُ بَينَهُما خَيالٌ ساري
وَالنَفسُ إِن رَضِيَت بِذَلِكَ أَو أَبَت ... مُنقادَةٌ بِأَزِمَّةِ الأَقدار
فَاِقضوا مَآرِبَكُم عُجالاً إِنَّما ... أَعمارُكُم سِفرٌ مِنَ الأَسفار
وَتَراكَضوا خَيلَ الشَبابِ وَبادِروا ... أَن تُستَرَدَّ فَإِنَّهُنَّ عَواري
عداوة الزمان للأحرار
أي والله قد لمستها ووعيتها وعرفتها، وشاهدتها بأم عيني. ولقد أخلص الشاعر إذ وضعها هنا في سياق العزاء؛ فإنه يظهر ما خفي ويوضح ما استتر من جانب صدق العلاقات وصفاء القلب.
لَيسَ الزَمانُ وَإِن حَرَصتَ مُسالِماً ... خُلُقُ الزَمانِ عَداوَةُ الأَحرارِ
أحمد.. البدر الذي خسف في أوج شبابه
يصف الشاعر فقده لابنه بطريقة مؤثرة ويذكر بعض صفاته، سأذكر منها ما أثر فيّ وكان في أخي شيء منه:
إِنّي وُتِرتُ بِصارِمٍ ذي رَونَقٍ ... أَعدَدتُهُ لِطِلابَةِ الأَوتار
أَثني عَلَيهِ بِأَثرِهِ وَلَو أَنَّهُ ... لَم يَغتَبِط أَثنَيتُ بِالآثارِ
تَندى أَسِرَّةُ وَجهِهِ وَيَمينُهُ ... في حالَةِ الإِعسارِ وَالإيسار
وَيَمُدُّ نَحوَ المَكرُماتِ أَنامِلاً ... لِلرِزقِ في أَثنائِهِنَّ مَجاري
يَحوي المَعالي كاسِباً أَو غالِباً ... أَبَداً يُدارى دونَها وَيُداري
ثم يقول:
قَد لاحَ في لَيلِ الشَبابِ كَواكِبٌ ... إِن أَمهَلَت آلَت إِلى الإِسفارِ
يا كَوكَباً ما كانَ أَقصَرَ عُمرَهُ ... وَكَذاكَ عُمرُ كَواكِبِ الأَسحارِ
وَهِلالَ أَيّامٍ مَضى لَم يَستَدِر ... بَدراً وَلَم يُمهَل لِوَقتِ سِرارِ
عَجِلَ الخُسوفُ عَلَيهِ قَبلَ أَوانِهِ ... فَمَحاهُ قَبلَ مَظَنَّةِ الإِبدارِ
أي والله، ذهب بدرنا وهلالنا في أوج شبابه وعز أحلامه، لم يكمل ما أراده ولم يحقق مناه. كان نادراً وبالغ الذكاء أكاديمياً وعملياً، واسع الاطلاع والمعرفة. آمنت أن له مستقبلاً مبهراً، لكنه القمر خسف ثم اختفى وتركنا محطمي القلب خاليي الوفاض.
أحمد.. الكوكب الذي خسف قبل أوانه
وَاِستَلَّ مِن أَترابِهِ وَلِداتِهِ ... كَالمُقلَةِ اِستُلَّت مِنَ الأَشفارِ
فَكَأَنَّ قَلبي قَبرُهُ وَكَأَنَّهُ ... في طَيِّهِ سِرٌّ مِنَ الأَسرارِ
إِن يُحتَقَر صِغَراً فَرُبَّ مُفَخَّمٍ ... يَبدو ضَئيلَ الشَخصِ لِلنُظّارِ
إِنَّ الكَواكِبَ في عُلُوِّ مَكانِها ... لَتُرى صِغاراً وَهيَ غَيرُ صِغارِ
لا يعرفه الناس كما نعرفه، لربما يرونه كشخص عادي، لكننا أسرته نعرفه ونعرف من هو وما هي قيمته ومهاراته؛ فالكوكب يُرى نقطة بعيدة لكنه يغطي الشمس بعظمته.
عزاء الوالدين وألم الفراق
وَلَدُ المُعَزّى بَعضُهُ فَإِذا مَضى ... بَعضُ الفَتى فَالكُلُّ في الآثارِ
أردد البيت وأبكي، أرأف لحال أمي وأبي وأبكي أكثر. كان أحمد درة عين والديه. كان الله في عونهما وأنزل على قلوبهما الصبر والسكينة والسلوان وأعظم لهما الأجر والمثوبة. أطال الله أعمارهم على طاعته.
الجوار الأسمى
أَبكيهِ ثُمَّ أَقولُ مُعتَذِراً لَهُ ... وُفِّقتَ حينَ تَرَكتَ آلامَ دارِ
جاوَرتُ أَعدائي وَجاوَرَ رَبَّهُ ... شَتّانَ بَينَ جِوارِهِ وَجِواري
كان هذا أعظم بيت في القصيدة كلها. ويا له من عزاء! إننا نحن هنا في هذه الحياة الدنيا نعيش مع من لا نحب وفي أوضاع لا تعجبنا ونجاور من لا نرغب، لكن الوافد لربه في جوار أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
عجائب المسافات وبُعد القبور
أَشكو بُعادَكَ لي وَأَنتَ بِمَوضِعٍ ... لَولا الرَدى لَسَمِعتَ فيهِ سِراري
وَالشَرقُ نَحوَ الغَربِ أَقرَبُ شُقَّةً ... مِن بُعدِ تِلكَ الخَمسَةِ الأَشبارِ
أي والله إنها لعجيبة من عجائب الدنيا؛ نقف على القبور القريبة فإذا هي بعيدة بُعد عالم الدنيا عن عالم الآخرة. حينها تضيع المسافات والقياسات. قد نرى جسداً لكن الروح قد رحلت لعوالم السماء، فكيف هو إذ لا قبر يقف عليه ولا جسد يودع؟
نار الأسى وتصبر الفاقد
هَيهاتَ قَد عَلِقَتكَ أَشراكُ الرَدى ... وَاِعتاقَ عُمرَكَ عائِقُ الأَعمارِ
وَلَقَد جَرَيتَ كَما جَرَيتُ لِغايَةٍ ... فَبَلَغتَها وَأَبوكَ في المِضمارِ
فَإِذا نَطَقتُ فَأَنتَ أَوَّلُ مَنطِقي ... وَإِذا سَكَتُّ فَأَنتَ في إِضماري
أُخفي مِنَ البُرَحاءِ ناراً مِثلَما ... يَخفى مِنَ النارِ الزِنادُ الواري
وَأُخَفِّضُ الزَفَراتِ وَهيَ صَواعِدٌ ... وَأُكَفكِفُ العَبَراتِ وَهيَ جَواري
وَشِهابُ زَندِ الحُزنِ إِن طاوَعتُهُ ... وارٍ وَإِن عاصَيتَهُ مُتَواري
وَأَكُفُّ نيرانَ الأَسى وَلَرُبَّما ... غَلَبَ التَصَبُّرُ فَاِرتَمَت بِشَرارِ
ثَوبُ الرِياءِ يَشِفُّ عَمّا تَحتَهُ ... فَإِذا اِلتَحَفتَ بِهِ فَإِنَّكَ عاري
قَصُرَت جُفوني أَم تَباعَدَ بَينَها ... أَم صُوِّرَت عَينايَ بِلا أَشفارِ
جَفَتِ الكَرى حَتّى كَأَنَّ غِرارَهُ ... عِندَ اِغتِماضِ العَينِ حَدُّ غِرارِ
وَلَوِ اِستَزارَت رَقدَةً لَدَجا بِها ... ما بَينَ أَجفاني إِلى التَيّارِ
أُحيي لَيالي التِمِّ وَهيَ تُميتُني ... وَيُميتُهُنَّ تَبَلُّجُ الأَنوارِ
حَتّى رَأيتُ الصُبحَ يَرفَعُ كَفَّهُ ... بِالضَوءِ رَفرافاً خَيمَةَ القارِ
وَالصُبحُ قَد غَمَرَ النُجومَ كَأَنَّهُ ... سَيلٌ طَغى فَطَمى عَلى النَوّارِ
وَتَلَهُّبُ الأَحشاءِ شَيَّبَ مفرقي ... هَذا الضِياءُ شَواظُ تِلكَ النارِ
شابَ القَذالُ وَكُلُّ غُصنٍ صائِرٌ ... فَيناهُ الأَحوى إِلى الإِزهارِ
قد أحسن الشاعر وصف حال الفاقد لعزيز عليه إذ وصف الصبر والتصبر والنار التي يشعر بها المرء في صدره وتحرقه ولا تنطفئ، ووصف الليالي التي تطول ويزيد فيها الحزن ويغادره النوم. وما أصعب تلك الليالي وأقساها وأشد ألمها وأصعب حالها. فيا رب عظم الأجر واجبر الكسر وارزق الصبر.
حكم الزهد والرحيل
شَيئانِ يَنقَشِعانِ أَوَّلَ وَهلَةٍ ... ظِلُّ الشَبابِ وَخِلَّةُ الأَشرارِ
نَزدادُ هَمّاً كُلَّما اِزدَدنا غِنىً ... وَالفَقرُ كُلُّ الفَقرِ في الإِكثارِ
ما زادَ فَوقَ الزادِ خُلِّفَ ضائِعاً ... في حادِثٍ أَو وارِثٍ أَو عاري
ثم في عودة للحكم السامية، يذكرنا الشاعر بأهمية الزهد في الدنيا الفانية؛ فالقلة هي الكثرة ما رافقتها القناعة، والكثرة هي الهم الذي مصيره لغيرنا لا لنا، فإننا راحلون لنترك كل ما جمعناه لغيرنا.
ثم يختم ويقول وانا أردد معه:
لِلَّهِ دُرُّ النائِباتِ فَإِنَّها ... صَدأُ اللِئامِ وَصيقَلُ الأَحرارِ
رحل أحمد، وترك خلفه قلوباً صقلتها النائبات، وعيوناً ترنو للسماء، ويقيناً بأن اللقاء هناك.. حيث لا كدار و عند خير جوار
تعليقات
إرسال تعليق