وكان معي أحمد (13) عقل لا يتكرر



هل كل فتاة بأخيها معجبة حقاً؟ هل أنا معجبة بأخي لما تجمعني به روابط الدم والأسرة، أم لأنه كان فعلاً روحاً نادرة وعقلاً لا يتكرر؟

لن أنفي عن نفسي تحيزي له وولائي لشخصه وتقبّلي لكل أفعاله وهواياته؛ فأنا أخته، وهذا وحده كافٍ ليشكّك القارئ في حكمي. لكن شاعرة العرب الخنساء قد رثت أخويها بقصائد عظام وبكتهم زماناً طويلاً، وهي تقول:

أَلا يا صَخرُ إِن أَبكَيتَ عَيني
لَقَد أَضحَكتَني دَهراً طَويلا
بَكَيتُكَ في نِساءٍ مُعوِلاتٍ
وَكُنتُ أَحَقَّ مَن أَبدى العَويلا
دَفَعتُ بِكَ الجَليلَ وَأَنتَ حَيٌّ
فَمَن ذا يَدفَعُ الخَطبَ الجَليلا
إِذا قَبُحَ البُكاءُ عَلى قَتيلٍ
رَأَيتُ بُكاءَكَ الحَسَنَ الجَميلا

شعرت بهذه الأبيات كأنها تصفني وتصف شعوري وتصف دواخل نفسي، ولو أنها قيلت قبل ألف سنة وتزيد. حب الأخت لأخيها هو نفسه: دائم لا يزال، باقٍ لا ينقطع. وإنه من الشائع أن تكون الأخوات من أقوى المتأثرات بإخوانهن والمعليات من شأنهم. فأضع الأمر هنا ليحكم بيننا القارئ العزيز. هل أقول ما أقوله لأنه أخي؟ أو لأنه سُرق منا في صباح باهت قبل الأوان؟ أو لأننا كنا محظوظين به، محاطين بدعمه ورعايته؟

كان أحمد فخوراً باختلافه ويسعده ذلك بشدة.

أكمل دراساته العليا في بلد أوروبي، غير أنه أصرّ أن يرتدي ثوبه السعودي الأبيض وطاقيته البيضاء، ولم يغيّره يوماً. كنت قد سألته: ألا ترى أن هذا تميّز لا يجلب لك سوى المتاعب؟

قال: هذا جزء من هويتي وقصتي، لِمَ أغيّر ذلك لأحاول التلصق بقصص الآخرين وتقليدهم؟ كنت طوال عمري أرتدي هذا الزي بقناعة ورضا، ولم يتغير شيء الآن.

لكن التميز والاختلاف لم يقتصرا على شكله الخارجي فقط.

كان أحمد يفكر بطريقة مختلفة، حاذق الفهم، متأصّل المعرفة في الشريعة وعلومها. تخرّج من ثانوية الشريعة كأحد العشرة الأوائل في مدينتنا، لكنه منذ صغره كان شغوفاً بالحاسب والبرمجة، وكانت رغبته أن يتخصص في ذلك لكن لم تُتَح له الفرصة. درس القضاء الشرعي في الجامعة وتخرّج منها بتفوق، وعمل بعد ذلك في ذات المجال، لكنه علّم نفسه البرمجة بلغات برمجية مختلفة.

كان يُصلح لنا الأجهزة الكهربائية، ابتداءً من غلايات الماء إلى اللابتوبات الشخصية. وكأني أراه يفتح المسامير الصغيرة وينظر لدقائق قبل أن يقول: اللوحة الرئيسية لا تعمل. أو كأني أراني وأنا أعطيه حاسبي الشخصي كي يُصلح لي المروحة التي كانت تتعطل لطول استخدامي له. يطلب القطع من مواقع خارجية، ثم يركّبها بنفسه ويتأكد من دقة عمله. وكأني أرى وجهه المشرق وابتسامته العريضة حين يرى أنه حقق مراده؛إذ كان ذلك يشعره بالإنجاز والرضا.

كان يحب التجارة خصوصاً الإلكترونية منها، وحاول إنشاء عدة مشاريع. ولربما كان أحد أسباب عدم استمرارها أنه لم يكن شديد الاهتمام بالربح المالي، لكنه حتماً أحب الاستثمار. كنت أتحدث معه حول سوق الأسهم المحلي والأمريكي والعملات الرقمية، أسأله لعمق معرفته كي أتعلم منه.

كان يحب سيارته التي عاشت معه أياماً ومغامرات طويلة. وكعادته، يحضر قطع الغيار لإصلاح التكييف، ثم يفكّك الجهاز كاملاً ويشرح لنا بإعجاب كيف يعمل النظام وما القطعة التي تحتاج لتغيير، ثم يطلبها ويركّبها ويعيد تجميع الأجزاء. كان شغوفاً بالقيادة الآلية. كنت أنزل في الصباح الباكر أو أعود في ظهيرة حارقة أو ليلة متأخرة، فأجده في سيارته في هدوء وحاسبه موصول بأسلاك للسيارة، يكتب أكواداً في نظام فكّ عنه حماية التعديل، أو يعدّل في نظام رؤية المحيط الذي ركّبه بنفسه.

في أوقات فراغه كان يلعب الشطرنج ويتابع مبارياته العالمية، يعرف كل خطوة ماذا تُسمى وما دورها وما الخطوات المناسبة بعدها. ويلعب مع إخوتي ألعاب الفيديو الحديثة التي لا معرفة لي بتفاصيلها، فلست من محبي الألعاب وليس لي فيها باع ولا خبرة.

ولربما هذا سبب رؤيتي لتميّزه؛ أنا تقليدية أكثر منه، أغرق وسط كتبي وتلفازي ودفاتري، هواياتي واهتماماتي مترابطة ومحدودة. أما هو فواسع الأفق غزير العلم متعدد المهارات كثير الهوايات. فكيف إذا أضفنا إلى ذلك أنه كان محباً للعلم والقراءة؟ هي ليالٍ طوال قضيتها معه نناقش العلم الحديث وحدوده: عن نظرية الانفجار الكبير والثقوب السوداء، عن الفلك والفضاء. أما ما نال حظاً وافراً فهو نظرية التطور التي كان يعارضها بشدة، ناقشتها معه طويلاً: عن الانتخاب الطبيعي والطفرات الجينية، عن ركبة الحوت وذيل الجنين البشري وأنواع الكلاب والماشية وعلاقتها بالتهجين.

اهتمامه الكبير بالسياسة وأحداث العالم كان مبهراً، ولم يكن النقاش بأقل سخونة من ذاك العلمي، غير أنه نقاش يجمع أفراد الأسرة جميعاً.

أذكر تلك الأوقات وأستوعب حجم الفقد الذي أعيشه؛ 
فقد رحل النديم 
وغاب المناقش 
وذهب الأنيس
وبقيت مجرد الذكرى.
لما كان معي أحمد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً