وكان معي أحمد ( 14) المصباح في الروح انطفئ
بداخل كلٍّ منا مِصباحٌ يضيء له في قلبه الأمل، ويُبقيه راغباً في البقاء ومتحمساً للإنجاز. يُشعل له هذا النور الطريق ليتحمل صعوبات الحياة وقسوة الأقدار، وجفاء وجدب الأيام والسنين.
كان مِصباحُ أحمد في قلبه يجسد بأبياتٍ عظيمة السكب، واسعة المعنى، كنا نشدو بها صغاراً ونرددها كباراً؛ أنا وأحمد و البقية وهي تقول:
هل ترى المِصباح في الرُّوحِ انطفئ؟
هل جفاكَ الصُّبحُ؟ ما أقسى الجفا!
أعودُ وأجترُّ أيامي معه، وأتساءلُ بعقلي و قلبي: كم مرةً انطفأ مِصباحك يا أخي؟ كم مرةً عادت الحياةُ في عينيك سوداءَ مقفرة، ومظلمةً مجدبة؟ هل كانت الحياةُ تَعْدُو في عينك وتكشر عن أنيابها بأقسى مما يتحمله قلبك المرهف؟
هل المِصباحُ هو تشبيهٌ لغويٌّ بليغ، أم هو حقيقةٌ فيزيائيةٌ نحملها في صدورنا فتحترق لِتُضيء؟ وكم ليلةٍ قضيتَها تظنُّ أنَّ الصُّبح جفاك وتركك وحيداً في عتمةِ غرفتك؟ وأنَّ الشَّمس لن تشرقَ بعد يومك لتنشر الضياء والأمل والفسحة والبهجة؟ هي ظِلالٌ كانت تسكنُ في عينك، واختفاءٌ لأثرك أياماً وأسابيع في انتظار الضوء، فلم يُضأ المِصباح، ولم تشرق الشَّمس، وبقيتَ أنتَ تُغالبُ العتمةَ بصمتٍ.
بسمةُ الآمالِ فجرٌ مُورِقٌ
ورِياضٌ ونَعيمٌ وصَفَا
لكنَّك بابتسامتك المشرقة كنتَ تعودُ في أعيننا مَرَّةً أخرى؛ فيحلُّ الفجرُ وتشرق الشَّمس وتأتي أنتَ معها، بأفكارٍ جديدة، وخطواتٍ عَجِلة، ورؤىً طموحة. ها قد حلَّ الصَّباح واشتعل المِصباح! هذا أنتَ الذي أعرفه، وأنتَ كما أرغبُ أن أتذكرك دائماً؛ رياضٌ من الأفكار المتجددة، واللقاءات الدافئة، والنقاشات الساخنة، والأحداث المتعددة. نعيمٌ نلمسه من دعمك ومساعدتك وعونك الذي لا ينقطع. صَفاءٌ يشبه صفاء قلبك المشابه لصفاء فكرك حينها، في ذاك المكان المضيء الذي كنتَ تستعيده بانتصارك على كدر الرُّوح.
يا ظِلالاً رقصت أهدابها
لنسيمِ الرَّوضِ رُوحي قد هَفَا
ومع ذلك، لا تزال الظلالُ الداكنةُ تحومُ حولنا من قريبٍ أو بعيد. نراها في سكناتِ النَّفس وتجلياتِ الفكر، ونرقبُ بوجلٍ متى تغدو تلك الظلالُ تغطي ما حولها في الليالي المظلماتِ الخاليات. فيا أيتها الظلال.. لقد حرمتنا الكثير، وأخذتِ منا الكثير. لِمَ جئتِ من الأساس؟ ولِمَ ظهرتِ في حياتنا وأطفأتِ نورَ المصابيح، وأخرتِ شروق الشَّمس في عينيّ أحمد؟ لِمَ كنتِ ضريبةً ثقيلةً يدفعها أخي من بَهجةِ رُوحه؟
شَفَقٌ أخضرُ في رُوحِ الفتى
أيُّ دمعٍ من يُؤوسٍ قد شَفَى؟!
الشَّفقُ نذيرُ البدايات وبشيرُ النهايات. يظهرُ الشَّفقُ الأخضرُ -ذاك النادر الخاطف- قبل بزوغ ضوء الفجر، فنعلمُ أنَّ الصُّبحَ أتى وأنه قادمٌ لا محالة. ويظهرُ الشَّفقُ أحمراً فنعلَمُ أنَّ الليلةَ الطويلةَ قد بدأتْ تحلُّ رحالها وتطفئ المصابيح.
لكم كان يملؤنا الألمُ والخيبةُ حين نرى الكسوفَ يغشاك، ونحاولُ أن نبحثَ عن حلٍّ فلا نجده. نستسلمُ لِما ترمي به الأقدارُ وما تصنعه الأيام، وتعودُ الليلةُ الطويلةُ تأخذكَ عنا بلا حلٍّ ولا أمل.. إلا أملنا في شفقٍ أخضرَ يلوحُ في أفقِ خُلودِك، حيثُ لا انطفاءَ للمصابيحِ هناك أبداً.
تعليقات
إرسال تعليق