وكان معي أحمد(19) رمضانه الأخير

يحلّ عليّ رمضاني الثالث هنا، في هذه البلاد الغريبة والباردة، بعيداً عن عائلتي. تؤلمني هذه الحقيقة كلما حاولت تجاهلها. رمضان الذي كان دوماً عماد السنة والشهر الذي يغير إيقاع كل شيء، صار هنا مجرد أيام عادية، بلا لون يبهجني ولا طعم يرويني.

أهرب من هذا الصمت بوضع قناة "الحرم المكي". أراقب الشوارع المزدحمة، والصلوات الجماعية، وسفر الإفطار الخضراء الممتدة في الساحات. أتأمل آلاف المسلمين وهم يتشاركون إفطاراً بسيطاً، يجمعهم تعب الصيام وفرحة اللقاء. لسنوات طويلة، كانت هذه هي مكة التي عرفتها؛ اعتكاف العشر الأواخر، السهر حتى الفجر في أروقة الحرم، الشوارع المغلقة، الزحام الذي لا ينتهي، وأكواب مياه زمزم التي تروي العطش والروح معاً.

في البيت، كانت رائحة الشوربة والسمبوسة هي واجب محتوم، والتميس والفول وأوعية الجلي والكريم كراميل هم ضيوف السفرة الدائمين. كنا نفطر ونحن نشاهد الحرم المكي على التلفاز -القريب منا مكاناً وحباً- ثم نستمع لحديث الطنطاوي أو برامج المجد قبل أن نبدأ الاستعداد للمسجد القريب.

لكن منذ سنوات، وأنا أقضي رمضاني وحيدة في أماكن غريبة؛ مرة في لندن، ومرة في إدنبرة، ومرة في أبها، ومرة في نوريتش. لكنني اليوم سأتحدث عن رمضاني الفائت.. ذاك الذي كان فيه أحمد معي.


بدأ رمضان الماضي، مثل هذه السنة، وأنا في لندن. كانت فترة صعبة، غير مفهومة المعالم، كأنني في رحلة تحول كبرى، حرب أنهيت نصفها وأستعد لنصفها الآخر. كنت موجوعة القلب، مثقلة الجوارح، وأبذل جهداً هائلاً للتماسك رغم أنني لم أكن أشعر به.

كنت أجلس خلف مكتبي أعافر، أرسل الإيميلات، أراجع اللوائح، وأخطط للرجوع للوطن. أنهيت كل التزاماتي وعلاقاتي قبل رمضان رغبةً في الرحيل، لكن السفر تعثر، فاشتدّ عليّ الأمر. حاولت أن أتمسك بقليل من الأمل، حلم الخلاص الذي كنت أبحث عنه في مواقع الجامعات وطلبات الوظائف. كنت أعيش قمة الألم وقمة الأمل في آن واحد، وبدأت نظاماً غذائياً جديداً رغبة في حياة مختلفة تماماً عما سبق. و بنظرة الكاتب القادم من المستقبل : لم يحدث أسوء ما توقعت ولا أفضل ما تمنيت.


أخيراً، وبعد تسعة أيام من رمضان، حان موعد السفر لمكة. استقبلنا أحمد في المطار. لا زلت أذكر سعادته ولهفته الغامرة وهو يحكي لنا قصص مغامراته. كانت ابتسامته العريضة ونكاته المتكررة تقطع حديثه المتحمس؛ بدا سعيداً للغاية، وكأنه يعيش أفضل أيام حياته.

أذكر بوضوح الطريق إلى مكة قبيل الفجر. الشوارع مضاءة بشدة، والمسارات خالية إلا من سيارتنا المسرعة. كان أحمد يقود ويتحدث ويتناول سحوره في وقت واحد. كنت أشعر بقليل من الخوف من هذا كله، لكنه كان سعيداً ومستعداً لتحمل المخاطر. تناقشنا في السياسة وأحداث العالم، وكالعادة كانت أفكاري تعارض أفكاره، فكنت أجادل بحدة وأرفع صوتي، ثم نضحك ونلقي النكات. كان طقساً غريباً لا يفهمه ولا يتحمله إلا شخص مثل أحمد، الذي كان يتسع صدره لشدتي كثيراً. وصلنا المنزل، وهناك فقط.. بدأ رمضان الحقيقي. الذي أعلم  الآن انه لن يعود، وإذا عاد رمضان فمن يعيد لي أحمد؟


بعدها، ذهب أحمد مع أخواتي للمدينة المنورة. لم أذهب معهم لأنني كنت مرهقة ومريضة وأرغب في البقاء غرفتي. رغم أن أحمد كان مريضاً جداً ويرتجف من أثر الحرارة العالية، إلا أنه أصرّ على قيادة السيارة طوال الطريق. لم يكن يسمح لأحد غيره بالقيادة؛ كان هو "أخينا الأكبر"، وهذا ما نشأنا عليه، كان يرى في خدمتنا واجباً لا يتنازل عنه.

في مكة، كنت أذهب للصلاة في مسجد قريب، نظيف ومرتب. كنت أجلس بعد الصلاة أتأمل الثريات المعلقة والإضاءة الخافتة، وأستمع لتمتمات القرآن من النسوة حولي. كنت أسجد وأبكي، وأشكو لله سنةً هو أعلم بها مني وبما عانيته فيها.

أما أحمد، فكان يزورنا في منزل الأسرة عدة مرات في اليوم، يشاركنا الحديث ويجلب لنا الطعام. ومع حلول العشر الأواخر، واظب هو على الصلاة في الحرم يومياً. كان يأتي لغرفتي يحاول إقناعي بالذهاب معه، يحكي لي عن جمال الصلاة هناك وسهولة الطريق، وعن شعوره وهو يصلي في قلب المسجد. كان في قمة تواصله مع الأسرة، مركّزاً على صلاته وقرآنه ومساعدتنا. هل كان يعلم ان هذا رمضانه الأخير ولذلك حاول ان يعيش افضل ما فيه لأخر قطرة؟ لقد كان في حالة إقبالٍ عجيبة على الله. عرفتها و سررت بها و آملت ان أصير مثله يوما ما.

خرجتُ من المسجد في آخر ليلة، رأيتُ أحمد الذي جاء ليصحبنا، لكني قدتُ سيارتي وحدي نحو زحام السوق لأشتري ملابس العيد الذي لم احضر له سابقاً. هناك، وفي غمرة الضجيج المكي، شعرتُ فجأة بخفة غريبة؛ الجبل الذي سكن قلبي لشهور انزاح أخيراً. كانت طمأنينة لا توصف، ويقيناً بالله لا يهتز. لقد انتهت الحرب التي بدأت في لندن، وانتهى معها الوجع، وكان أحمد هو الشاهد الجميل على تلك اللحظة التي استعدتُ فيها نفسي.

 

أعلم يقيناً ان دعواتي في المسجد الصغير تحققت، وأن الله استجاب لي. أسال نفسي: ماهي الدعوات التي دعا الله بها في رمضانه الأخير؟ هل آمن عندما قال أمام الحرم : اللهم أحييني ما كانت الحياة خير لي و توفني ما كانت الوفاة خيراً لي ؟ هل سأل الله لقاءه و غفرانه؟ هل أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه و اخذه لجواره؟

و لأجد إجابة سوى دموع تغرق عيني و توقفني عن الكتابة.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً