وكان معي أحمد (15) مغامرات الفناء و اشجاره

في بيتنا القديم في سنواتي الأولى

كان باب البيت يتوسط جدار الفناء الأمامي

كان لونه ابيض مائل للصفرة مع قليل من اثار الصدى

كان يتوسط بين شجرة اللوز الكبيرة وشجيرات الفلفل على اليسار

أذكر أني كنت أنتظر كثيرًا خلف ذلك الباب

. أنتظر عودة والدي من صلاة الفجر.

 وأنظر إلى أحمد الصغير يذهب للمسجد. كان عليه أن يعبر الشارع أمام المنزل، ثم يقطع أرضًا فارغة وكبيرة للغاية أمامنا. كنا ننظر إليه يصغر شيئًا فشيئًا حتى يكون كنقطة صغيرة ثم يختفي. عندها نغلق الباب. ونعرف أنه سيعود.

في الصباحات الباردة، حين يغادر أحمد وأخواتي للمدرسة، أبقى في المنزل مع أمي والصغار. أراهم من الباب يركبون الباص الأصفر، وأرغب بشدة أن أذهب معهم. ثم أنتظرهم عند الباب ذاته في الظهر.

كان أحمد يلعب معنا، وإن كان يميل للمغامرة أكثر من ميلنا لها. أذكر أنه حاول إقناعي بالنزول معه إلى بدروم البيت. كان المكان داكنًا وصغيرًا، إذ احتجنا نحن الصغار أن نزحف لندخله. بالطبع لم أوافق. لكن أحمد ذهب سرًا مرات ومرات. عاد يحكي لنا عن الأنابيب الموجودة، وعن أرانب تعيش بالأسفل هربت من الجيران عبر حفر تحت الأرض. لا أدري إن كانت الأرانب حقيقية. ربما كانت طريقته ليجعلنا نتشجع وننزل معه. لكننا لم نتشجع قط.

كنت أعجب لشجاعته وحبه للمغامرة. كانت المغامرات تعطيه حماسة تظهر على عينيه وتضيء وجهه. ولا زلت أعجب من ذلك حتى آخر أيامه.

بعد عشرين سنة من المغيب عن ذلك المنزل، أخذنا أحمد لنزوره.

كنا في الرياض في زيارة عائلية، وأصرّ أن نذهب للحي القديم. 

عرفت البيت من موقعه. لكن حين وقفت أمامه، أدركت كم كنت صغيرة حين غادرته.

الشارع لم يتغير لكنه لم يكن واسعًا كما تذكرته. المنزل لم يتغير لكنه كان أصغر مما في ذاكرتي. وذلك البدروم المخيف الذي كنا نزحف لندخله؟ لا بد أن ارتفاعه لا يتجاوز نصف متر. كنت أظنه كهفًا، وكان مجرد فراغ ضيق تحت البيت. ربما لم تكن هناك أرانب أصلًا.

اختفت شجرة اللوز. والحديقة صارت موقفًا للسيارات. والأرض الفارغة التي كان يقطعها للمسجد ,تلك المسافة الشاسعة التي كان يصغر فيها حتى يختفي, امتلأت الآن بمبانٍ ومحلات.

لكن الباب كان هناك.

نفس اللون. نفس الحجم. كأنه وحده قرر أن يبقى شاهدًا.

أتخيل وانا كتب الآن:

 لو أني الآن تلك الطفلة خلف الباب، أنظر إلى أحمد يعبر الشارع ويقطع الأرض الفارغة، يصغر شيئًا فشيئًا حتى يصير نقطة صغيرة ثم يختفي.

لكن هذه المرة مختلفة.

 هذه المرة اختفى حقًا. 

ولن يعود.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً