بين النجوم وعند السفر (23)
ألملم ما تيسر من أغراضي على عجل، أتوجه للمطار وأقف لأشحن حقائبي وأستلم بطاقة صعود الطائرة. أركب الطائرة وأشاهد عجلاتها تقلع عن الأرض وهي تمرُّ كمرِّ السحاب، بعد قليل تستقر الأمور وتخفت الأضواء وينام المسافرون، إلا أنا!
ألتصق بالنافذة وأشاهد السماء حولي، كانت ليلة حالكة كالليلة التي فقدتك فيها، لكن النجوم كانت في غاية الوضوح والبهاء. لمعت السماء كأنها لوحة مرسومة بدقة، ألوان النجوم بديعة وتشكيلاتها مبهرة. عرفت الثريا التي تقف كخط عمودي في وسط السماء، يقفون كأنهم إخوة -قلت في نفسي- وتذكرتك!
امتلأت عيناي بالدموع، مسحتها حتى لا تغبش نظرتي، وعدت أنظر في النجوم؛ هل كانت الهالة البرتقالية لدرب التبانة واضحة؟ أحاول التحديق بقدر ما تسمح به عيني المجهدة، يبدو أنها هي! يفغر فمي دهشة وإجلالاً.. وتذكرتك!! نقاشاتي معك حول الكون والنجوم والمجرات، عادت الدموع لعيني مرة أخرى، مسحتها هذه المرة وقررت أن أتوقف عن استراق النظر للسماوات.
مرت المضيفة تخيرنا بين المشروبات، وكعاشقة مستهامة بالقهوة والشاي لم أفكر حتى في أن أطلب شيئاً آخر. تذكرت كيف كنت تتعجب من حبي وحتى استساغتي لهما، فاغرورقت عيناي مرة أخرى. ألا من مفر؟ لا أريد أن أبكي في الطائرة، سيظن الناس أني مسكينة وحزينة، ولربما أكون مسكينة وحزينة فعلاً، لكني لا أرغب أن يعلم أحد هذا!
أراك يا أخي في زوايا المطار، وعند مدرج الطائرة، وعند مدخل التفتيش، وعند مخرج الجوازات.
أراك بعين قلبي التي تُغرِق عين رأسي، والتي سرعان ما تغرق بالدموع بلا إنذار أو مراعاة للزمان والمكان والسياق.
أراك بعين الفقد التي تؤلم قلبي وتعصره حتى يغدو النفس ثقيلاً، والدنيا صغيرة، حتى يضيق الهواء في رئتي.
ويالها من حياة قاسية تُحيى بدونك، وتُعاش بعدك، وتُقطع أراضيها سفراً بلا وجودك!
تعليقات
إرسال تعليق