حين تكلم الجماد (25)

أخيراً حان وقتي

أخيراً ليسمع أحد صوتي

عشت حياتي في ظلمة المخازن وأقبية المصانع، حتى تنقلت من يد إلى يد مع رفقة من الإخوة إلى أن وصلنا إلى متجر حاسبات يقع في شارع صغير ومزدحم. جلست في القبو عدة أشهر، لا يدخل علي أحد إلا العمال الذين يخاطرون ويدخنون وهم يتناقلون النميمة بينهم، كنت أخاف من فكرة أن شرارة من عقب سجائرهم ستشعل حريقاً في أغلفتي ومن حولي، لكني مقيّد ومغلف وفوق كل ذلك جماد لا لسان له.

أخذت الأجهزة من حولي تختفي يوماً بعد يوم وأجهزة أخرى تحط رحالها ولا تثبت إلا أن تتخاطفها أيدي العمال لتصعد للأعلى، كنت أخاف من أيدي العمال ومن ضوء الشمس فجلست صابراً لا أحصي الوقت ولا أعرف الثمن.

في صباح يوم مشمس حضر عامل وحملني إلى الأعلى، ومن بين زفراته المرهقة سمعته يقول: نعم هذا للمتجر الأونلاين، عرفت أن قدري مختلف وأني ذاهب لأرض أخرى لا أسمع فيها المادندرين ولا أشتم السجائر المحلية.تنقلت بعدها أكثر مما فعلت منذ ركبت أجزائي، هل كان هذا الصوت صوت الطائرة أم الباخرة؟ كانت الأرض تهتز أحياناً فأفكر أن الطائرة تهتز بسرعة والباخرة تهتز ببطء وتموج. 

وصلت أخيراً إلى شاحنة تسير مسرعة في طرقات مدينة كبيرة، كانت الحرارة كأننا في فرن لاهب أو مصنع لصناعة الفولاذ الصلب، كما سمعت من جهاز آخر عانى من احتراق دوائره الكهربائية واحتاج للتبديل، وشاركني الرف أياماً ثم رحل. خفت أن تتأثر أجهزتي الحساسة، فكما علمت مما سمعته أنني حاسوب خاص ومتطور وأن هذا سبب طول بقائي في المتجر سابقاً.

وصلت وتم إنزالي إلى مكتب محاماة يقع على الشارع الأساسي في المدينة، وأخيراً بعد عدة أشهر فُتحت كرتوني وأغلفتي.

رأيته لأول مرة.

كان طويلاً وقوي الجسد وبشرته السمراء تقول إنه في منتصف عمره، أما ابتسامته العريضة وحماسه الكبير فيقولان إنه يبني شيئاً جديداً وأنه شديد الحماس لمستقبله - أقصد مستقبلنا.

جلس أحمد أمامي ووضعني على المكتب وبدأ إعدادات التثبيت، ومن هنا علمت أن اسمه أحمد، وأنه للتو افتتح مكتبه الخاص لممارسة مهنة المحاماة، وأنه الآن لا يزال يستعد للافتتاح والبدء.

 لكني عرفت أن أحمد ممن يتقن لغتي ويعرف أسراري، ومن اللحظة الأولى بدأ يغيّر في إعداداتي ويضيف ويغيّر في محتوياتي الداخلية، كنت كلما فتحني ونظر في داخلي أشعر بالقلق من فكرة الاستغناء عن بعض مني، أو من الألم في التبديل أو التلف الذي يمكن أن يصيبني، لكنه بمهارة وبكل براعة ممكنة يفك القطع القديمة ويضيف الجديدة بكل احترافية، لم أتأثر ولم أتضرر بل لاحظت من نفسي نشاطاً وقوة وقدرة.

ومع الأيام وثقت به لما رأيت من الملفات التي يعمل عليها والقضايا التي يترافع فيها، كنت أسمع حديثه مع سكرتيره في المكتب، مع عملائه القادمين وزملائه المحامين، فرأيت منه حسن الخلق وصدق العمل وصلاح السريرة والخبرة الكبيرة.

لكنه كان أحياناً يتركني في المكتب ويختفي فلا أراه أياماً، هي أم أسابيع؟ لا أدري، لأن المكتب يكون مقفلاً أصلاً فيكون ليلي كنهاري ولا أعرف وقتاً ولا زماناً. ومع تقدم الوقت وازدياد الغياب، حضر ذات مرة وقد طالت لحيته عن آخر مرة رأيته، سعدت أخيراً أنني سأعود للعمل، لكنه حمّل علي برنامجاً متطوراً ورحل.

ثم فجأة سمعت صوت جهاز آخر يحادثني! كان هذا حاسوبه المنزلي الذي أصبح متصلاً بي وأصبح يتعامل معي ومع ملفاته وقضاياه عبر الأثير، شعرت بسعادة أنني أخيراً لدي اتصال وعلاقة بجهاز آخر، أبعدني عن الوحدة وأعطاني أملاً في إيجاد شريك لأجهزتي.القضايا لا تزال تزيد والجلسات يتم حضورها، كم مرّ من الوقت؟ هذا ما لا أعلمه، لكني لاحظت أنه كان يبدو كمن يخطط لأمر ما. ذات يوم حضر بعض المحامين الذين علمت منهم أنه افتتح فرعاً جديداً، هل شعرت بالغيرة؟ ربما، لكني شعرت أكثر بالقلق من أن يتم الاستغناء عني، لقد مرّت سنوات كما تخبرني أعداد صكوك الأحكام، وقد أبدو كجهاز عجوز بقدرات محدودة في عالم جديد ومتطور.

حضر مرة للمكتب، جلس أمامي لساعات يدوّن بشكل مختلف هذه المرة، هل كان ينوي تأليف كتاب؟ ربما، لكنه كان يكتب في ملف اسمه: هذه فلسفتي ومعتقداتي. كان يعود للمنزل وأرى الملف يتطور وينمو، كان يعمل على هذا الملف باستمرار، كان يخبرني حاسوب المنزل. كنا نتبادل الأحاديث من حين لآخر، وقد أخبرني معلومات عن أحمد غير ما أعرفه، كنت أعرف أحمد المحامي، لكنه هو كان يعرف أحمد الإنسان في منزله، يلعب ألعاب الفيديو على الشبكة، يشاهد الأفلام الوثائقية، يتابع بشكل متكرر العملات الرقمية وأسواق المال المحلية والعالمية، يقرأ عن الدول والثقافات ويحب السفر ويخطط لمغامرات متنوعة وخطيرة.

ثم لم يعد! انتظرته كعادتي، أن يفيء من سفره ويعود لعمله ومكتبه مرة أخرى، غير أني أُخبرت من حاسوب المنزل أنه لم يتواجد في منزله منذ وقت، وأن زوجته كانت شديدة القلق والحزن. 

ثم بعد فترة دخلت المنزل نساء ملتحفات بالسواد وبكين بهدوء، ثم بعد فترة نُقل الحاسوب إلى مخزن مظلم، كان هذا ما أخبرني إياه قبل أن يختفي.المكتب مظلم وخاوٍ، لا عملاء ولا محامون ولا أحد، غيري أجلس مرة أخرى في الظلام، تتعرض أجزائي للتلف من شدة حرارة هذه المدينة، أشعر بالألم والوحدة، أبكي أحمد كما أتخيلنا جميعاً نحن أجهزته نفعل، أبكي شباباً ضاع وأحلاماً ذهبت وقدرات لم تنل فرصتها.

 تذكرت ذلك الملف الذي ظل محفوظاً في ذاكرتي كأمانة: "هذه فلسفتي ومعتقداتي". كنت قد سمعت اسمها يتردد في أحاديثه من قبل، أخته فاطمة، التي تحب الفلسفة وتسأل عن معنى الأشياء كما كان يفعل هو، فكان آخر ما فعلته أن أرسلت هذا الملف إليها، عساه يصل إلى من يستحقه، ويكمل ما بدأه أحمد.

أشعر الآن بالعمال خارج المكتب يدخنون السجائر ويزيلون اللوحة، هاهم يدخلون الآن، إنهم يحملون الأثاث إلى الشاحنة، إذاً جاء يومي، إني راحل الآن، أشعر بأيديهم تفكك أسلاكي. 

لقد حان وقتي.

وداعـ ....

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

وكان معي أحمد (8) : خديعة السنديان

و كان معي أحمد (2) نسافر ونعود

وكان معي أحمد (6) لذيذ... شكراً