البكاء على شاهد القبر (27)
كنتُ في الخامسة عشرة لما سمعتُ أذنيَّ أول مرة لامرئ القيس. كنا في أول حصة للأدب العربي في أول مرحلة في الثانوية، مترددةً بعض الشيء أنني اخترتُ الفرع الشرعي مقابل الفرع العلمي، إذ كنتُ أحب العلوم والأحياء وبعض الرياضيات بشدة، انتصر الكُره وهربتُ من الرياضيات، وهكذا وجدتُ نفسي في حصة الأدب العربي.
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ
شعرتُ برجفة خفيفة في جسدي، ألهبتِ الأبياتُ قلبي وسارت القافية كموسيقى في أذني. حفظتُ القصيدة كاملة من أول يوم، أكررها أحياناً وأفكر في معانيها، أعود إليها الآن بعد خمس عشرة سنة أخرى، وأدرك ما فقدتُه في حزني: شاهد قبر أقف على أطلاله وأبكي فقيدي.
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ
بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ
القبر الذي لا أعلم مكانه، ولا أستطيع الوصول إليه. إن البكاء على الأطلال عند العرب القدماء كان طقساً كاملاً: تعبّر فيه عن حزنك العميق، تستشعر قُرب فقيدك وتستوعب بُعده السحيق، تربط بين قُرب ذكراه وبُعد منازله. وأنّى لي ذلك؟
كَأنِّي غَدَاةَ الْبَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا
لَدَى سَمُرَاتِ الْحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِ
يشكو امرؤ القيس أن بُعده عن أطلال أحبابه يؤلمه، فما أقول وقد أبعدتني الحياة عن مقامه وأطلال ذكراه؟ هل البعد منحة تسمح بالنسيان؟ أم محنة تُبعد المرء عن تذكّر الأحباب ووفاء الخِلّان؟ إنها مرارة البُعد عن فقيدك مرة أخرى، بعد الفراق الأول يكون فراق الأطلال وشواهد القبور ألمٌ آخر.
وُقُوفاً بِهَا صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمُ
يَقُولُونَ: لَا تَهْلِكْ أَسَىً وَتَجَمَّلِ
إن طقس البكاء على الأطلال سلوكٌ جماعي، يبكي المرء فيه واقفاً على القبر، حوله من يعزيه ويُهوّن عليه، ولا يجد امرؤ القيس غضاضةً من البكاء العلني في ثُلّة من الرجال وهو الفارس الشجاع. يتساوى طقس البكاء على القبور بين الرجال والنساء، يبكي الرجال بحرارة وتلطم النساء وتنوح، هي ممارسة حزن شاملة تُتيح للمشاعر الخروجَ بحرية وبكل ضعف شجاع.
أما أنا، فقُدِّر لي أن أقف على عتبات الكلمات والأحرف، أنقف حنظلي بيدي وأقول لنفسي: لا تهلكي أسىً وتجمّلي. مرارة في الحلق، وقبول في الصدر، وغصة في القلب. عل الكتابة تكون قبره الذي لم أزره، وشاهدي الوحيد على أطلال لم تُتَح لي.
تعليقات
إرسال تعليق